الله تَعَالَى الطيبات بقوله: (كلوا مما في الْأَرْض) الآية. ونهى عن
متابعة الشَّيْطَان فلم يشكروا تلك النعم واتبعوا الهوى ونسوا المنعم المولى حتى إذا قيل
لهم اتبعوا ما أنزل الله الذي أباح لكم الأطعمة النفيسة أساؤوا في المقابلة ومالوا إلَى
التقليد والغواية.
قوله: (وعدل عن الخطاب معهم للنداء عَلَى ضلالتهم) إذ مقتضى الظَّاهر الموافق
لما تقدم وإذا قيل لكم للنداء عَلَى ضلالهم وأنهم ليسوا أهلًا للخطاب لضلالهم؛ إذ عز
الخطاب لا يكون لأرباب الحجاب ففَائدَة الالْتفَات بيان عدم استحقاقهم الخطاب، ولما
لم يقيد المص النَّاس في يَا أَيُّهَا النَّاس بالمتزهد فإن كلامه يحتمل أن يراد بالنَّاس
المتزهد أو المشركون أو غيرهم فلا يكون قوله هنا وعدل عن الخطاب غفلة عَمَّا ذكره
هناك كما ظن.
قوله: (كأنه التفت إلَى العقلاء وقال لهم انظروا إلَى هَؤُلَاء الحمقى ماذا يجيبون) فـ [حِينَئِذٍ]
فيه تلوين الخطاب لا حَقيقَة بل مآلا؛ ولذا قال كأنه التفت كلا فلا التفات ولا خطاب
للعقلاء في النظم الجليل.
قوله: (قَالُوا بل نتبع ما ألفينا) إضراب عن مَحْذُوف أي قَالُوا ما نتبع ذلك بل نتبع ما
ألفينا، وفي اختيار إذا والْفعْل الْمَاضي في جانب الشرط تنبيه عَلَى وقوع ذلك محققًا وأيضا
الْمَعْنَى عَلَى الاسْتمْرَار لا عَلَى الْمَاضي والمستقبل.
قوله: (ما وجدناهم عليه) أي ألفينا بمعنى وجدنا.
قوله:(نزلت في الْمُشْركينَ أُمرُوا باتباع الْقُرْآن وسائر ما أنزل الله من الحجج
والآيات)وقد مرَّ مرارًا أن خصوص السبب لا يقتضي تَخْصيص الحكم فلا يقتضي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
والتَّنْبيه عَلَى خطأ النَّاس في الضلالات وإرشادهم إلَى الحق فإنه تَعَالَى كلما ذكر نبذا من أحوال
الأمم وقصصهم كرَّ إلَى ذلك الْمَعْنَى.
قوله: نزلت في المشركين هُوَ عَلَى أن يراد بالمعهود في يا أيها النَّاس من يتخذ أندادًا في
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمنَ النَّاس مَنْ يَتَّخذُ منْ دُون اللَّه أَنْدَادًا) عَلَى أن يراد بالأنداد
الأصنام وقوله: وقيل في طائفة من الْيَهُود عَلَى أن يكون المعهود الكاتمين في قوله عز وجل:
(الَّذينَ يكتمون ما أنزلنا) الآية. حسبما قررناه آنفًا.
قوله: فنعم ما أنزل الله أي فعلى أن تكون الآية نزلت في طائفة من الْيَهُود يعم ما أنزل الله
في قوله: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) التَّوْرَاة لأنها أَيْضًا أي كالْقُرْآن يدعو
إلى الْإسْلَام. أقول: فعلى أن ينزل الآية في طائفة من الْيَهُود ويعم ما أنزل اللَّه التَّوْرَاة لا يستقيم معنى
الإضراب في جوابهم هذا لأن الْمُرَاد لما في قولهم (بَلْ نَتَّبعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْه آبَاءَنَا) دين آبائهم
المُسْتَفَاد من التَّوْرَاة والأحكام المشروعة فيها، وأَيْضًا المفهوم من قَوْلُه تَعَالَى هذا يعم أن ما أنزل الله
على الأول ليس عامًا وينافيه قوله أُمرُوا باتباع الْقُرْآن وسائر ما أنزل الله من الحجج والآيات.