فهرس الكتاب

الصفحة 2032 من 10841

نزول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا) الآية. ليس بقوم مَخْصُوص كالمتزهدين من الْمُؤْمنينَ بل قوم

مُطْلَقًا سواء كان من الْمُؤْمنينَ أو الْمُشْركينَ أو الْيَهُود، وهذا أولى مما قيل من أن هذا لا

ينافي قوله في (يَا أَيُّهَا النَّاس) أنها نزلت الخ. لأن خصوص السبب لا ينافي عموم اللَّفْظ

فإنه مع أنه خلاف الظَّاهر يرد عَلَى المص ما أورد هنا .

قوله: (وأباح لهم ما في الْأَرْض) أَشَارَ إلَى أن أمر كلوا للإباحة وهي شاملة لفرض

الأكل، فإنه قد يكون فرضًا فالْمُرَاد هنا القدر المشترك، والأولى بعض ما في الْأَرْض .

قوله: (سوى ما حرم عليهم أمر الْمُؤْمنينَ منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا

بحقوقها فقال (واشكروا لله) سوى ما حرم عليهم مأخوذ من قوله (حَلَالًا طَيّبًا) أمر

الْمُؤْمنينَ خاصة أن يتحروا طيبات ما رزقوا. أي ملكوا أو الْمُرَاد بالطيبات ما مَرَّ في قوله

(حَلَالًا طَيّبًا) والجمع لإرادة الأنواع، وإنَّمَا أعاد ذكرها تمهيدًا للأمر للشكر عليه؛ ولذا قال

ويقوموا بحقوقها. وكون الْمُرَاد بها المستلذات من الحلال يقتضي تَخْصيص الأمر بالشكر بها.

ولا يخفى ضعفه بل الأمر عام لكل طيب مستلذًا كان أو غيره، وأما تفسير الطيبات

بالمستلذات في قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا منَ الطَّيّبَات وَاعْمَلُوا صَالحًا)

فللترغيب في الأولى مع عدم المنافي له عَلَى أن الخطاب هناك للرسل

فاللائق بهم التناول للمستلذات من المباحات، وإنما قال أن يتحروا أي يقصدوا دون أن

يأكلوا إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالأكل الانتفاع من كل الْوُجُوه لباسًا كان أو شربًا كالأكل

الحقيقي، وإنَّمَا خص الأكل بالذكر لأن الأكل معظم الانتفاع؛ ولذا قال تَعَالَى:(ولا تأكلوا

مال اليتيم)الآية. مع أن المنهي مطلق أخذ ماله بغير المعروف، وهو في الْقُرْآن كثير فالأمر

للقدر المشترك بين الوجوب والإباحة كما نبه عليه في أوائل المائدة في قَوْله تَعَالَى:(يا

أيها الَّذينَ آمَنُوا أوفوا بالعقود)وأما الأمر بالشكر فللوجوب .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

والحرام لا يؤمر بأكله بل ينهى عنه، ويدل عليه أَيْضًا كون المقام مقام الامتنان. قيل الطيب له ثلاث

معاني الطَّاهر والحلال والمستلذ، فأي معنى من هذه الْمَعَاني يليق بالمقام يفسر هُوَ به. قَالَ صاحب

الكَشَّاف (منْ طَيّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ) من مستلذاته؛ لأن ما رزقه الله تَعَالَى لا يكون إلا حلالًا، فقوله

لأن ما رزقه اللَّه تَعَالَى تميل لتفسير الطيبات بالمستلذات يعني الْمُرَاد بالطيبات المستلذات لأن قوله

(مَا رَزَقْنَاكُمْ) محمول عَلَى الحلال لأن الرزق عندهم لا يكون إلا [حلالا] وعند أهل

السنة وإن جاز حمل الطيبات عَلَى الحلال؛ لأن ما رزقناكم مطلق يتناول الحلال والحرام، لكن مقام

الامتنان عَلَى قوم مَخْصُوصين والأمر بالتناول يأبى إلا ما تستطيبه النفس وتستلذ به. هكذا قَالُوا

وأقول يجوز أن تحمل الطيبات عَلَى الحلال ولا ينافيه الأمر بالتناول؛ لأن كلمة (مِنْ) تبعيضية فـ [حِينَئِذٍ] لا

يكون جميع ما رزقوا داخلًا في حيز الأكل حتى يدل الأمر بالأكل عَلَى كون ما رزقوا جَميعًا حلالًا

والمقام أَيْضًا لا يأباه لأن الامتنان يحصل من إباحة حلالات الرزق لهم كما يحصل من إباحة

مستلذاته. غاية ما في الباب أن إباحة مستلذات الرزق أدخل في الامتنان من إباحة حلالاته وذلك لا

يضر المبحث، فالأولى أن يحمل الطيبات في قول المص أن يتحروا طيبات ما رزقوا عَلَى الحلال

والرزق ما ثم الحلال والحرام حتى يكون ردًا لقول المخالف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت