بعبارته انتهى. والله أعلم بصحته. والحاصل أن الْإنْسَان لكونه فذلكة جميع الموجودات
ونسخة كل الكائنات بمنزلة جميع العوالم فإن رأسه كالفلك وروحه كالشمس وعقله كالقمر
يزداد وينقص والحواس الظَّاهرَة كالكواكب السيارة سوى النيرين وظهره كالبر وبطنه كالبحر
وصوته كالرعد وضحكه كالبرق وشعره كالنبات ولحمه كالْأَرْض الرخوة وعظامه كالجبال
ودمه الجاري في العروق كالمياه والأنهار ونفسه كالريح وهذا البيان نبذة مما فضله علماء
الأعيان فسبحان من جلت حكمته وجلت عظمته ووضح برهانه وظهر سلطانه وتحيرت
العقول في كبرياء ذاته وتهللت عَلَى وجنات الكائنات آثار ملكوته وجبروته وتولهت الأذهان
في بيداء عظيم صفاته يا من دل عَلَى وحدانيته وكمال قدرته نظام المصنوعات وتشهد عَلَى
وجوب وجوده وكمال غنائه سلسلة الموجودات ثبتنا عَلَى النهج القويم والطريق المستقيم
واستعملنا بطاعتك وسهلنا طرق مرضاتك حتى يأتينا اليقين والوصول إلَى الصديقين
والشهداء والصَّالحينَ.
قوله: (من الجواهر والأعراض) بيان ما فيه تنبيه عَلَى أنه اسم للأجناس، كَمَا صَرَّحَ
به سابقًا وإشَارَة إلَى أن المفرد شامل لجميع الجواهر والأعراض ويجوز كونه بيانًا
للنظائر والمآل واحد قوله (يعلم بها) أي بالنظائر (الصانع) فيصح أن يسمى الفرد
المشتمل عَلَى تلك النظائر عالمًا ولو قال يعلم به أي بكل واحد منهم الصانع لكان
أوفق لقوله فإن كل واحد منهم عالم لكن نبه به عَلَى أن كون كل واحد منهم عالمًا
يعلم به الصانع باعْتبَار النظر في أحواله فهو دليل أصولي عَلَى وجود الصانع ووحدانية
وسائر صفاته الْكَمَالية، وإلى ذلك أشار أَيْضًا بقوله (كما يعلم) أي الصانع (بما) أي
بأحوال (أبدعه) أوجده الله تَعَالَى (في العالم الكبير) مما سوى الله تَعَالَى وصفاته العلية
من الجواهر المعلومة وجودها والأعراض القائمة بها وينكشف من هذا أن كل فرد فرد
من سائر العوالم أَيْضًا يَنْبَغي أن يسمى عالمًا؛ إذ ما من ذرة من الذرات وحبة من
الحبوبات وقطرة من القطرات إلا ويدل عَلَى صانعه وكمال قدرته وعلمه الشامل لكن
الغلبة منعت ذلك، وإنما، مرضه لأن إخراج العالم من العموم بلا داع يقتضيه والتَّخْصِيص
خلاف الظَّاهر والْمُتَبَادَر مع أن مقام الحمد يناسبه العموم ويدخل فيه نوع الْإنْسَان
وأفراده دخولًا أوليًّا لما ذكر من اشتمال النظائر الْمَذْكُورة وما ذكر من الحيثية لا يوجب
الترجيح بل يشعر بالصحة عَلَى أن الجمع حِينَئِذٍ غير ظَاهر كما أشرنا وإن قيل المراد
تناوله لغيرهم أيضًا عَلَى سبيل الاستتباع فمع عدم تصريحه بذلك تكلف مستغنى عنه
لكنه أولى من التَّخْصِيص بلا تناول غيرهم بالاستتباع.