قوله: (تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب) بيان للحاصل فإن
الخيانة في أصل اللغة التنقيص ولذا فسره أبو حيان يتنقصونها كذا قيل. لكن الْمَشْهُور
الخيانة ضد الأمانة بتعريضها للعقاب بسَبَب اقتراف السيئات وتنقيص حظها من الثواب بترك
المأمور الذي يتضمنه النهي وفي تنقيص الثواب نوع رمز إلَى ما قيل .
قوله: (والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب) لأن زيادة الحروف تدل
على زيادة الْمَعْنَى في الأكثر فيفيد أنهم جدوا في تَحْصيل الخيانة وسعوا سعيًا بليغًا في
كسبها ولعل الْحكْمَة في ذلك كون ذلك في أشرف الأوقات فإن المعاصي فيه أعظم منها
في غيره أبلغ إما من البلاغة أو من المُبَالَغَة وذكر كنتم للتنبيه عَلَى أنهم استمروا عَلَى
الخيانة بحسب الجبلة البشرية .
قوله: (فتاب عليكم لما تبتم مما اقترفتموه) الفاء فصيحة كفاء فانفجرت أي علم الله
خيانتكم وتوبتكم فتاب عليكم وإليه أشار بقوله لما تبتم مما اقترفتموه أي مما اكتسبتموه
ولما بمعنى حين ظرف لا شرط، فلو حمل عَلَى الشرط يكون جوابه مَحْذُوفًا أي لما تبتم
فتاب الله عليكم. وقيل عطف عَلَى علم، ولا يخفى أن التَّوْبَة لا يترتب عَلَى العلم الْمَذْكُور بل
يترتب عَلَى توبة العبد فهو عطف عَلَى مقدر أي تبتم عن خيانتكم فتاب الله عليكم .
قوله: (ومحا عنكم أثره) إذ العفو محو الجريمة من عفا إذا درس بالتجاوز وقبول
التَّوْبَة ليس عين المحو وإن كان مستلزمًا له؛ فلذا عطف عفا عَلَى تاب بالواو دون الفاء .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: بتعريضها للعقاب أن يجعل أنفسكم عرضة للعقاب .
قوله: كالاكتساب من الكتب أي كأبلغية الاكتساب من الكسب أو كما أن الاكتساب
أبلغ من الكسب. وجه الأبلغية ما قال صاحب الكَشَّاف في تفسير(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا
اكْتَسَبَتْ)من أن في الاكتساب اعتمالًا، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي
منجذبة إليه وأمارة به كانت في تَحْصيله أعمل وأجد فجعلت لذلك مكتسبة فيه ولما لم يكن
كَذَلكَ في الخير وصفت بما لا دلالة فيه عَلَى الاعتمال. والْمَعْنَى ينفعها ما كسبت من خير
ويضرها ما اكتسبت من شر لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب غيرها بطاعتها. وقال بعضهم لا
فرق بين الكسب والاكتساب. قال الواحدي رحمه الله: الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب
والاكتساب واحد لا فرق بينهما قال ذو الرمة:
الفى أباه بذلك الكسب يكتسب
والْقُرْآن أَيْضًا ناطق بذلك قال الله تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ بمَا كَسَبَتْ رَهينَةٌ) .
وقال (وَلَا تَكْسبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا) وقال(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ
به خَطيئَتُهُ)وقال (وَالَّذينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمنينَ وَالْمُؤْمنَات بغَيْر مَا اكْتَسَبُوا)
فدل عَلَى جواز إقامة كل واحد من هذين اللَّفْظَيْن مقام الآخر .