البليغ من الْمَجَاز كذا قيل. لكن المص قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)
وإطلاقها عليهم عَلَى طريقة التمثيل لا الاسْتعَارَة ؛ إذ من شرطها أن يطوى ذكر
المُسْتَعَار له، فالْقَوْل بأن التشبيه البليغ من الْمَجَاز شرح للجملة لا يرضي قائلها بل مراده أن
الكره الذي هُوَ بمعنى الكراهة مجاز للإكراه؛ لأنه سبب للكراهة فذكر المسبب وأريد السبب
قوله: كأنهم أكرهوا الخ. إشَارَة إلَى أن الإكراه الذي يراد بالكراهة ليس عَلَى الْحَقيقَة بل عَلَى
التشبيه ؛ إذ المكلف مختار في القتال لكن القتال لكثرة أسباب الكراهة من الشدة والمشقة
جعل كالمكره ثم الإكراه إن أبقي مصدرًا فهو كالكراهة في المُبَالَغَة، وإن أول بالمشق فيفوت
المُبَالَغَة وقد مَرَّ الْكَلَام فيه فتذكر .
قوله: (وهو جميع ما كلفوا به فإن الطبع يكرهه) ولما كان الكراهة أمر طبيعيًا لا
اختيار فيه فلا ينافي الإيمان وقد مَرَّ الْكَلَام فيه .
قوله:(وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم وهو جميع ما نهوا عنه فإن النفس تحبه
وتهواه)مناط صلاحهم. أي في الدُّنْيَا. وسبب فلاحهم أي في الْآخرَة، والْمُرَاد بالطبع النفس
التي بمعنى الْقُوَّة الشهوانية فإنها إذا خليت وطبعها كرهته لكن تحبه بالمحبة الشرعية، ولعله
للإشَارَة إلَى ذلك قال وهو مناط الخ. أي والطبع والنفس إذا نظر إلَى ما ذكر من الصَّلَاح
والفلاح تحبه حبًا شديدًا وشمر ذيله في امتثاله تشميرًا سديدًا، وجملة عسى أن تكرهوا
تذييلية دالة عَلَى أن طبيعة المكلف عادتها استكراه ما هُوَ خير لها؛ فلذا يكون القتال كرهًا
لها وهو خير محض يترتب عليه خير الدارين كإعلاء كلمة الله والغنيمة والشَّهَادَة والسعادة
والوصول إلَى دار الكرامة. وقيل اعتراضية دالة عَلَى أن في القتال خيرًا لهم والْجُمْلَة الثانية
مَعْطُوفة عليها مؤكدة لمضمونها ومشيرة إلَى سبب نفرة الطبع عن المأمورات ؛ إذ النفس لما
كانت تحب المنهيات كرهت بالطبع المأمورات، وبهذا الاعتبار تكون مقررة لما قبله .
قوله: (وهو يفضي إلَى الردى) أي الهلاك إشارة إلَى أن محبته كائنة مع ما يقتضي
عدم المحبة فظهر سر قوله عليه السَّلام"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك"لكن مع
ذلك تكره جميع ما نهوا عنه بمقتضى الشرع وإلا لخرج عن خلعة الإيمان ودخل في زمرة
أهل الطغيان .
قوله: (وإنما ذكر عسى لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها) وهذا قرينة عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإنَّمَا ذكر عسى لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها. يعني إنما ذكر كلمة عسى
الدَّالَّة عَلَى عدم القطع لأن النفس إذا ارتاضت وصفت مرآتها عن الأكدار ينعكس عليها الأمر الحاصل
لها قبل التصفية والتصقيل فيكون محبوبها مكروهًا ومكروهها محبوبًا. قال ابن الفارض قدس الله روحه:
وكل الذي ترضاه والموت دونه ... به أنا راضٍ والصبابة أرضيت