باعْتبَار تميزه بتلك الصفات وتعلق العلم بذلك التميز كان تعليق الْعبَادَة بمنزلة تعليقه
بالذات المتميز بها فكأنه قيل يا من اتصف بتلك الأوصاف وتميز بها عن سائر الذوات
نخصك بالْعبَادَة فهذا إشَارَة إلَى الْمَذْكُور من الاتصاف بالأوصاف الْمَذْكُورة شأنه بسكون
الهمزة أو بقلبها ألفًا أي حاله وأمره قال قدس سره حاصل ما ذكر أنه لو قيل إياه نعبد وإياه
نستعين كما يقتضيه السياق ظاهرا لم يكن فيه دلالة عَلَى أن الْعبَادَة له والاستعانة به لأجل
اتصاف تلك الأوصاف المجراة عليه والمتميز بها عن غيره لأن ذلك الضَّمير راجع إلَى ذاته
بمقتضى وضعه وليس فيه ملاحظة لأوصاف وإن اتصف بها فالحكم متعلق بذاته تَعَالَى ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
أصل الدلالة عَلَى الاخْتصَاص كان حاصلا في إياه نعبد فأريد الزّيَادَة في تلك الدلالة فانتقل من
طريق الغيبة إلَى الخطاب ليعلم من غير احتمال أن الْمَخْصُوص بالْعبَادَة هُوَ ذلك المعلوم المتميز
بتلك الصفات العظام وإن الْعبَادَة له لاتصافه لتمييزه بها لترتب الحكم عَلَى الوصف الْمُنَاسب وما
ذكره المص رحمه الله من نكتة الالْتفَات الواقع هنا هُوَ الذي اختاره صاحب الكَشَّاف حيث قال
ومما اختص به هذا المَوْضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجري عليه تلك الصفات العظام تعلق
العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الْخُضُوع والاستعانة في المهمات فخوطب ذلك
المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل إياك يا من هذه صفاته نخص بالْعبَادَة والاستعانة لا نعبد غيرك
ولا نستعينه ليكون الخطاب أدل عَلَى أن الْعبَادَة له لذلك التمييز الذي لا يحق الْعبَادَة إلا به إلَى هنا
كلامه يريد أن لفظ كلمة الخطاب في الدلالة عَلَى التمييز بالصفات الْمَذْكُورة والإشعار بعلة الحكم
بمنزلة اسم الإشَارَة في (أُولَئكَ عَلَى هدى منْ رَبّهمْ) (وأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ)
فإن لفظ أُولَئكَ بمنزلة إعادة المتقين بصفاتهم الْمَذْكُورة من الإيمان بالْغَيْب وإقامة
الصلاة والإنفاق والإيمان بالكتب الْإلَهيَّة السماوية بأسرها فهو كما قلت زيد صديقك القديم ذلك
حقيق بالإحسان فإن لفظ ذلك يراد به الذات مع الصّفَة الْمَذْكُورة فيدل بإشعاره بمعنى الوصف
الملائم عَلَى علة الحكم بأنه حقيق بالإحسان فكان هُوَ بالإعادة بمنزلة إعادة من استؤنف من
الْحَديث بصفته في قولك أحسنت إلَى زيد صديقك القديم أحق بالإحسان قال صاحب الكشف إن
قيل هُوَ الله تَعَالَى لذاته يستحق الْعبَادَة لا لتلك الصفات الخاصة؟ قلنا مسلم ولكن نميزه بتلك
الصفات التي لا تشارك فيها يدل عَلَى تميز الذات عن سائر الذوات ولما لم يكن لنا سبيل إلَى
العلم بالذات من حيث هي صح إن وجوب الْعبَادَة باعْتبَار التميز بتلك الصفات الخاصة وذكر
صاحب المفتاح في نكتة الالْتفَات فيه وجه آخر غير ما في الكَشَّاف حاصله أن العبد إذا ذكر
الحقيق بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محركًا للإقبال عليه وكلما أجري عليه صفة من تلك
الصفات العظام قوي ذلك المحرك إلَى أن يؤول الأمر إلَى خاتمتها المفيدة أنه مالك الأمر كله في
يوم الْجَزَاء فحِينَئِذٍ يوجب ذلك المتحرك لتناهيه في الْقُوَّة الإقبال عليه بالمرة والخطاب بتَخْصيصه
بغاية الْخُضُوع والاستعانة في المهمات يكون هذا الالْتفَات منبهًا عَلَى أن العبد المنعم عليه بتلك
النعم العظام الفائتة للحصر إذا فرض أنه مائل بين يدي مولاه من حقه إذا أخذ في القراءة أن تكون
قراءته عَلَى وجه يجد معها من نفسه ذلك المحرك حتى تنطبق قراءته عَلَى المنزل عَلَى ما هُوَ عليه
وإلا لم يمكن قارئاً فالفرق بين الوَجْهَيْن أن الأول مبني عَلَى الإدراك الفعلي والثاني عَلَى الحركة
النفسانية قال ابن جني إنما ترك الغيبة إلَى الخطاب لأن الحمد دون الْعبَادَة ألا تراك تحمد نظرك
ولا تعبده ولما صار إلَى الْعبَادَة التي في أقصى أمد الطاعة قَالَ إيَّاكَ نَعْبُدُ إصراحا بها وتقربًا منه.