النِّسَاءَ) للدلالة عَلَى أن حَقيقَة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد) أو
للرسول الخ. في كون الخطاب للنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أولًا ولكافة المؤمنين ثانيًا، وفَائدَة ذلك ما
قرره هناك من أنه إمام أمته فنداؤه كندائهم وخطابه كخطابهم، أو لأن الْكَلَام معه والحكم
يعمهم وما ذكره هنا من خواص المقام وما ذكره أولًا من عموم الخطاب لا يلائم هذه
النُّكْتَة فلا تغفل .
قوله: (لأنه المتعظ به والمنتفع) يعني تَخْصيص هذا للمؤمن مع أنه عام لأنه هُوَ
المنتفع به. نظيره قَوْلُه تَعَالَى: (هُدًى للْمُتَّقينَ) .
قوله: (أي العمل بمقتضى ما ذكر) جعل المشار إليه العمل بمقتضى ما ذكر بقرينة
الخبر وهو (أزكى لكم) والجمع في (ذلكم) في بابه .
قوله: (أنفع وأطهر من دنس الأآثام) جعل أزكى اسم تفضيل من الزكاء وهو النماء
وهو يستلزم النفع في الأكثر، وما ذكره لازم معناه، والْمُرَاد باسم التَّفْضيل الزّيَادَة المطلقة ؛ إذ
لا نفع في ترك العمل بمقتضى ما ذكر، إلا أن يقال إنه من قبيل الصيف أحر من الشتاء
وكذا الْكَلَام في أطهر أي من دنس الآثام لأنه بتقدير لكم ؛ إذ القيد المعتبر في الْمَعْطُوف
عليه معتبر في الْمَعْطُوف أَيْضًا إذا لم يتم الْكَلَام بدونه، ولو جعل أزكى اسم التَّفْضيل من
التزكية بحذف الزوائد كأبلغ فإنه من المُبَالَغَة، وأطهر من التطهير بمعنى التطييب لم يبعد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: للدلالة عَلَى أن حَقيقَة المشار إليه الخ. يعني أو الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط لا للناس
دلالة عَلَى أن المشار إليه بذلك وهو الأحكام الْمَذْكُورة والمواعظ النافعة أمر لا يكاد يتصوره كل
أحد، بل لا بد لتصور ذلك من نبي أو رسول مؤيد مِنْ عنْد اللَّه .
قوله: فيَخْتَصُّ. تفريع عَلَى الوجوب. قال الإمام: [هَذَا الْأَمْرُ لَيْسَ أَمْرَ إِيجَابٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ لَمَا اسْتَحَقَّتِ الْأُجْرَةَ وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) وَالْوَالِدَةُ قَدْ تَكُونُ مُطَلَّقَةً فَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ رِزْقِهَا عَلَى الْوَالِدِ إِلَّا بِسَبَبِ الْإِرْضَاعِ، فَلَوْ كَانَ الْإِرْضَاعُ وَاجِبًا عَلَيْهَا لَمَا وَجَبَ ذَلِكَ، وَفِيهِ الْبَحْثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِرْضَاعَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْأُمِّ فَهَذَا الْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ تَرْبِيَةَ الطِّفْلِ بِلَبَنِ الْأُمِّ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَلْبَانِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّ شَفَقَةَ الْأُمِّ عَلَيْهِ أَتَمُّ مِنْ شَفَقَةِ غَيْرِهَا هَذَا إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْحَالُ فِي الْوَلَدِ إِلَى حَدِّ الِاضْطِرَارِ بِأَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُ الْأُمِّ، أَوْ لَا يَرْضَعَ الطِّفْلُ إِلَّا مِنْهَا، فَوَاجِبٌ عَلَيْهَا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ تُرْضِعَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مُوَاسَاةُ الْمُضْطَرِّ فِي الطَّعَامِ.