قوله: (ولكن اختلفوا) استدراك باعْتبَار ما يلزمه أي ولكن الله لم يشأ هدى النَّاس
وتوفيقهم فاختلفوا، فلو هنا لانتفاء الثاني لانتفاء الأول في نفس الأمر لا بالنسبة إلَى العلم حتى
يقال إنه قياس استثنائي مؤلف من وضع مقدمها منتح لنقيض تاليها وقد مَرَّ قريبًا فيه وما عليه .
قوله: (بتوفيقه بالتزام دين الْأَنْبيَاء تفضلًا) هذا دليل عَلَى ما ذكرنا من أن الْمُرَاد من
هدى النَّاس توفيقهم فهو منتف بالنسبة إلَى الجميع متحقق في البعض تفضلًا لا وجوبًا كما
ذهب إليه المعتزلة ولا إيجابًا كما زعمه الحكماء. قوله: (لإعراضه عنه بخذلانه) أي
لإعراض ذلك الكافر عنه أي عن دين الله، ثم علل ذلك الإعراض بخذلان الله تَعَالَى أي
عدم التوفيق فعلم منه أن معنى ما سبق فمنهم من أمن لتأمله بالنظر الصائب في دين الله
تَعَالَى بتوفيقه تَعَالَى لكنَّه لظهوره لم يذكره .
قوله: (كرره للتأكيد) أي لتأكيد كون الأمور بمشيئته تَعَالَى والتكرار للتأكيد من شعب
البلاغة قيل ولو شاء الله عدم قتالهم بعد هذه المرتبة من الاخْتلَاف والشقاق المستتبعين
للاقتتال بحسب العادة ما اقتتلوا فالتكرير ليس للتأكيد كما ظن وأنت خبير بأن ما سبق ليس
مختصًا بمرتبة قبل هذه المرتبة. قوله ولكن اختلفوا. عام للاختلاف أولًا ولثبات الاخْتلَاف
ثانيًا فلا يكون قرينة عَلَى أن الأول مسوق لبيان مرتبة قبل هذه المرتبة .
قوله: (ولكن الله يفعل ما يريد) والْكَلَام فيه مثل الْكَلَام فيما مَرَّ اخْتيرَ هذا هنا تنبيهًا
على أن اخْتلَافهم بتوفيق الله تَعَالَى وعدم توفيقه كما أشار إليه المص هناك وإسناد
الاخْتلَاف إليهم لحصوله بإرادتهم الجزئية .
قوله: (فيوفق من يشاء فضلًا وبخذل من شاء عدلًا) من يشاء أي خذلانه عدلًا؛ ولذلك
اختلفوا سعادة وشقاوة كون التوفيق فضلًا ظاهر، وأما كون الخذلان عدلًا فلأن الْمُنَاسب لكل
من خذله الخذلان بحسب الفطرة فهو وضع الشيء في محله ؛ إذ العلم تابع للمعلوم كذا قيل.
سوى قوله: (إذ العلم) الخ. فإنه ما لم ينضم إلَى هذا الْقَوْل لا يتضح المرام .
قوله: (والآية دليل عَلَى أن الْأَنْبيَاء عليهم الصلاة وَالسَّلَامُ متفاوتة الأقدام وأنه يجوز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بخذلانه أي بتخديله .
قوله: ويخذل من يشاء عدلًا. المفهوم من قوله هذا أن الخذلان بعض الكفر والمعصية؛ لأن
العدل إنما يكون بعد الظلم لكن قوله فيما قبله لإعراضه عنه بخذلانه يرى أن الخذلان مقدم عَلَى
الكفر لأنه جعل الخذلان سبب الإعراض عن الدين والسبب متقدم عَلَى المسبب فآخر كلامه
يناقض أوله .
قوله: والآية دليل عَلَى أن الْأَنْبيَاء متفاوتة الأقدام لقَوْله تَعَالَى:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ
عَلَى بَعْضٍ)وأنه يجوز تفضيل بعضهم عَلَى بَعْضٍ يعني يجوز لواحد من الأمة أن
يفضل ويقول هذا النَّبيّ أفضل من ذاك النَّبيّ لكن لا يجوز قوله هذا وتفضيله عليه بناء عَلَى دليل
ظني؛ لأن الظن في الاعتقاديات ليس بمعتبر بل يجب أن يعتقد بدليل قطعي ليفيد الجزم فإن الأدلة
الظنية تجري فيما يتعلق بالعمل. وهذه المسألة مما يتعلق بالعلم والتصديق الذي هُوَ من شعب