يرَ ولم يسمع القصة كما يخاطب من سمع ورآها فإنه صار مثلًا في التعجيب أي شبهت
هذه القصة في الظهور بحَيْثُ لا يكاد يخفى عَلَى أحد ممن له حظ من الخطاب بالأمر
المبصر المحسوس فاستعمل فيها ما استعمل في المشبه به المرئي. ونمروذ بضم النون
والذال الْمُعْجَمَة وهو الأفصح، وقد يفتح النون وَقُرئَ أَيْضًا بالدال المهملة. ووجه حماقته
ادعاء الربوبية ونسيان العبودية وجوابه الذي هُوَ يورث الدهشة لمن له أدنى مسكة. وضمير
ربه راجع إلَى إبْرَاهيم، وأما رجوعه إلَى نمروذ المعبر عنه بالذي فبعيد لفظًا وإن كان له وجه
معنى. والْمَعْنَى حاج إبْرَاهيم في شأن ربه .
قوله:(لأن آتاه أي أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة، أو حاج لأجله شكرًا له
على طريقة العكس كقولك عاديتني لأني أحسنت إليك)أي أبطره لما اعتبر أن [آتاه] الله علة
لمحاجته بتقدير اللام بين احتمالين: أحدهما أن ذلك الإيتاء جعله متكبرًا متجبرًا فحمله
على المحاجة وهذا هُوَ الظَّاهر فلذا قدمه، والآخر أن ذلك إيتاء نعمة جسيمة فحاج لشكر
تلك النعمة عَلَى طريقة العكس أي حاج وعصى بدل الإطاعة للمولى ؛ إذ حقه الشكر في
مقابلة ذلك، وهو باب بليغ شائع عند أرباب البَلَاغَة فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْكَلَام توبيخًا وتبيينًا لفرط
حماقته. والحاصل أن ما جعله علة للمحاجة فهو في نفس الأمر علة للشكر بجميع شعبه
لكن لكمال حماقته وفرط شقاوته جعله علة لمحاجته، وفي الوجه الأول جعل إيتاء الملك
علة حصولية للمحاجة في نفس الأمر بملاحظة أن ذلك الملك المعطي أورثه الكبر والعتو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن آتاه الملك، أو حاج لأجله شكرًا له. أي وحاج لأجل أن آتاه الله الملك شكرًا
فجعل مكان اليسر المحاجة عَلَى طريقة العكس أي عَلَى طريقة تعكيس الْفعْل اللائق بالشيء
لما لا يليق به فإن اللائق بإيتاء الملك والسلطنة الشكر لمن آتاه إياه وهو عكس فجعل
المحاجة بدل الشكر يريد أن قَوْلُه تَعَالَى (أن آتاه الله الملك) متعلق بـ حاج
على وَجْهَيْن وإن مصدرية فيهما لكنها في الوجه الأول بتقدير حرف. ووجهه عَلَى نوعين بكونه
علة تحقيقًا وهو الْمُرَاد بقوله أي أبطره [إيتاء] الملك وعمله عَلَى المحاجة ويكون علة تهكمًا
وهو الْمُرَاد بقوله أو حاج لأجله شكرًا عَلَى طريقة العكس فهو كاللام في(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)وفي الوجه الثاني بتقدير حذف الْمُضَاف وهو معنى
قوله: أو وقت أن آتاه الملك كما في قولك آتيك خفوق النجم أي وقت خفوق النجم وقولهم كان
ذلك مقدم الحاج. أي كان وقت قدوم الحاج. وعبارة الكَشَّاف أوضح مما ذكره وأعذب. قال أن آتاه
الله الملك متعلق بـ حاج عَلَى وَجْهَيْن: أحدهما حاج لأن آتاه الله الملك عَلَى معنى أن إيتاء الملك
أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، أو عَلَى أنه وضع المحاجة في ربه مَوْضع ما وجب عليه من
الشكر عَلَى أن آتاه الله الملك فكأن المحاجة كانت لذلك كما تقول عاداني فلان لأني أحسنت إليه
تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونحوه قَوْلُه تَعَالَى(وَتَجْعَلُونَ
رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)والثاني: حاج وقت أن آتاه الملك .