فهرس الكتاب

الصفحة 2639 من 10841

معنى صحيح. فذكر الاسم الجليل ينبئ عن علة عدم الإخلاف أعني كون الْإلَهيَّة منافية له

فهو مقتضى الحال ويشعر أَيْضًا بتعظيم الموعود به وهو وقوع يوم للحساب؛ إذ وعيد من

اتصف بصفة الْأُلُوهيَّة وبجميع صفات الْكَمَال لا يكون إلا كَذَلكَ، فلو لم يلون الخطاب

لفاتت هذه اللطائف. وقد جوز أن تكون الْجُمْلَة مسوقة من جهته تَعَالَى لتقرير قول الراسخين

فـ [حِينَئِذٍ] لا تلوين الخطاب والتلوين أعم من الالْتفَات كما قيل لكن هنا التفات كما عرفته

واللطف المختص بهنا ما ذكر، ولما كانت النُّكْتَة مبنية عَلَى الإرادة لم يقصد هذه النُّكْتَة

في آخر السُّورَة وله وجه آخر كما ستعرفه.

قوله: (واستدل به الوعيدية) وهم المعتزلة والخوارج وسميت وعيدية أي منسوبة إلَى

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: واستدل به الوعيدية. واستدل بقوله عز وجل: (إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)

الوعيدية وهم المعتزلة [القائلون بوجوب] عقاب [الفساق] بحَيْثُ لا يجوز عنه العفو. قَالُوا لو جاز لزم

المحال وهو الخلف في وعد الله وقد قال تَعَالَى (إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) قال

الإمام:[احْتَجَّ الْجُبَّائِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقَطْعِ بِوَعِيدِ الْفُسَّاقِ، قَالَ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَعِيدَ دَاخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الْوَعْدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا [الْأَعْرَافِ:

44]وَالْوَعْدُ وَالْمَوْعِدُ وَالْمِيعَادُ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَكَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْلِفُ فِي الْوَعِيدِ.

وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَعَالَى يُوعِدُ الْفُسَّاقَ مُطْلَقًا، بَلْ ذَلِكَ الْوَعِيدُ عِنْدَنَا مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ الْعَفْوِ، كَمَا أَنَّهُ بِالِاتِّفَاقِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَكَمَا أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ ذَلِكَ الشَّرْطَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، فَكَذَا نَحْنُ أَثْبَتْنَا شَرْطَ عَدَمِ الْعَفْوِ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُوعِدُهُمْ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَعِيدَ دَاخِلٌ تَحْتِ لَفْظِ الْوَعْدِ، أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:

فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا.

قُلْنَا: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) وَقَوْلِهِ (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) وَأَيْضًا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ مِنْ أَوْثَانِهِمْ أَنَّهَا تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْوَعْدِ تِلْكَ الْمَنَافِعَ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَعِيدِ قَدْ مَرَّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ طَرِيقَةً أُخْرَى، فَقَالَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى مِيعَادِ الْأَوْلِيَاءِ، دُونَ وَعِيدِ الْأَعْدَاءِ، لِأَنَّ خُلْفَ الْوَعِيدِ كَرَمٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَمْدَحُونَ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ أَنْجَزَ وَعْدَهُ ... وَإِنْ أَوْعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَفْوُ مَانِعُهْ

وَرَوَى الْمُنَاظَرَةَ الَّتِي دَارَتْ بَيْنَ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: مَا تَقُولُ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَ وَعْدًا، وَأَوْعَدَ إِيعَادًا، فَهُوَ مُنْجِزٌ إِيعَادَهُ، كَمَا هُوَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: إِنَّكَ رَجُلٌ أَعْجَمُ، لَا أَقُولُ أَعْجَمُ اللِّسَانِ وَلَكِنْ أَعْجَمُ الْقَلْبِ، إِنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ الرُّجُوعَ عَنِ الْوَعْدِ لُؤْمًا وَعَنِ الْإِيعَادِ كَرَمًا وَأَنْشَدَ:

وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُكْذِبُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ حَكَوْا أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ لَمَّا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يَا أَبَا عَمْرٍو فَهَلْ يُسَمَّى اللَّهُ مُكَذِّبَ نَفْسِهِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: فَقَدْ سَقَطَتْ حُجَّتُكَ، قَالُوا: فَانْقَطَعَ أَبُو عَمْرِو بْنُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت