وجوابه أن الْمَغْفرَة كما كانت أعظم المطالب كان الاستغفار أَيْضًا [أعْلَى] المآرب، وأما
الرضوان فأعظم النعم فلا منافاة، وكذا اللقاء في دار البقاء عَلَى أنه جامع لها. أشار إليه بقوله
(بل الجامع لها) المطالب بأسرها. وجه كونها جامعة أن الْمَغْفرَة وهي محو الذنوب يستلزم
الرضاء واللقاء فإن الرضاء ترك الاعتراض فإذا كان العبد مغفورًا يتحقق ترك الاعتراض وهو
الرضوان وكذا اللقاء. وقيل الْمَغْفرَة تستلزم الرضوان لأنه ما لم يتعلق بالعبد رضوان لا يغفره.
وفيه ما فيه فإن الأمر بالعكس لأنه ما لم يغفر ذنوب العبد لا يتعلق به الرضاء؛ إذ الذنب ما دام
باقيًا فالعبد محل الاعتراض والمؤاخذة، والرضاء كما عرقته ترك الاعتراض والمناقشة.
قوله: (وتوسيط الواو بينها) مع أن تركها مناسب لأنها صفات لمَوْصُوف واحد كما
هو الظَّاهر (للدلالة عَلَى استقلال كل واحدة منها وكمالهم فيها) لأنه لو ترك العطف لتوهم
جعل بعضها صفة لبعض أي المتأخّر للمتقدم، كَمَا صَرَّحُوا به في بعض المواضع وإن لم
يكن كليًا فكان المقيد والقيد مستقلًا لا كل واحد، ولما كان كل منها مستقلًا في كونه صفة
مدح كان كل منها صفة كمال في إيجاب المدح؛ إذ الناقص لا يمدح بها عَلَى الاستقلال
ولا يخفى أن الْمُتَبَادَر من قوله حصر لمقامات السالك أن السلوك لا يتم إلا بإحراز
مجموعها فَكَيْفَ يكون كل منها مستقلًا في المدح، إلا أن يقال إنه كل منها صفة مستقلة في
المدح وإن لم يكن مستقلًا في السلوك فإنه لا يتم إلا بالمجموع من حيث المجموع لا بكل
واحدة منها، وكلامه في الاستقلال في المدح، ولو قال والعاطف فيه للدلالة عَلَى أنه بما
عطف عليه في حكم خصلة واحدة بالنسبة إلَى تمام السلوك لم يبعد كما قال في قوله
تَعَالَى: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) من سورة التَّوْبَة وما ذكره الْمُصَنّف هنا مما
تقرر في علم البيان وهو الأصل فيه لأن التغاير في العطف هُوَ الْمُتَبَادَر وفي بعض المواضع
قد يدل العطف عَلَى عدم [الاستدلال إلا] بمعونة القرينة كما في سورة التَّوْبَة فإن العطف
هناك مشعر بالاتصال؛ إذ الأمر بالمعروف يستلزم النهي عن المنكر وبالعكس ومن هذا قال
الْمُصَنّف هناك: والعاطف فيه للدلالة عَلَى أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة فلا
مخالف بينَ كَلَامَيه كما زعم بعض النَّاس.
قوله: (أو تغاير الْمَوْصُوفين بها) هذا ضعيف لما مَرَّ غير مرة من إتمام السلوك إنما
يوجد بالمجموع.
قوله: (وتَخْصيص الأسحار) جمع سحر وهو الوقت الذي قبل طلوع الفجر. قوله
(لأن الدعاء فيها أقرب إلَى الإجابة) فهم منه أنه حمل الاستغفار عَلَى مطلق الدعاء ثم قوله
(لأن العبادة حِينَئِذٍ أشق) يشعر بأنه حمله عَلَى الْعبَادَة.