فهرس الكتاب

الصفحة 2674 من 10841

وهو قوله (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) يدل عَلَى أن العلم عَلَى حقيقته غاية الأمر أنه

يلزم منه تَخْصيص الاخْتلَاف بعلمائهم، ولا ضير فيه لأن الجهلة تابعون لهم، ولو قيل إنه أراد

به التعميم إلَى جهلهم أَيْضًا، والأول ناظر إلَى علمائهم، والثاني إلَى جهلائهم يرد عليه أنه يلزم

الجمع بين الْحَقيقَة والْمَجَاز مع أن [لفظه] أولًا لا يلائمه، والْقَوْل بأن الجمع الْمَذْكُور جائز عند

الْمُصَنّف وكلمة (أو) لمنع الخلو بعيد، ولو سلم أنه سديد وفي بعض النسخ بالواو فيكون عطف

تفسير لقوله علموا، ولا يخفى ضعفه؛ إذ الظَّاهر حمل العلم عَلَى ظاهره لما ذكرنا.

قوله: (حَسَدًا بينهم وطلبًا للرياسة) فلا إشكال بأن العلم يقتضي عدم الاخْتلَاف لأن

طلب الرياسة والحسد يعمي [ويصم] فيجر إلَى إنكار الحق عنادًا وإن كان عين الحاذق. والبغي:

هو الخروج عن الطاعة ففسر هنا بالحسد بمعونة القرينة. قوله [وطلبًا للرياسة] عطف العلة عَلَى

المعلول فهو من أفراد البغي إذا أدى إلَى المفسدة كما هنا دون التأدية إلَى المصلحة.

قوله: (لا لشبهة وخفاء في الأمر) حصر مُسْتَفَاد من النفي والاستثناء وهذا يؤيد كون

الْمُرَاد بالعلم حقيقته لأن التمكن من العلم لا ينافي حصول الشبهة والخفاء كما لا يخفى.

قيل وهو عطف عَلَى قوله (حَسَدًا) عَلَى حد ما جاء إلا زيد لا عمرو. وهو تركيب حكم الشيخ

عبد القاهر والسكاكي بعدم صحته، لكنه وقع في الكَشَّاف كثيرًا وقَالُوا إن عدم صحته غير

مسلم انتهى. وجه ما قاله الإمامان أن النفي بـ (لا) شرطُه أن لا يكون منفيًا قبلها بغيرها من

أدوات النفي، فهنا النفي والاستثناء متوجه إلَى العلة كأنه قيل: وما اختلف الَّذينَ أوتوا

الْكتَاب لعلة من العلل إلا للبغي والحسد بعد مجيء العلم فنفى كل علة حتى الشبهة

والخفاء فإذا قيل لا الشبهة فقد نفى شَيْئًا هُوَ منفي قبلها بما النافية فلم يتحقق الشرط

الْمَذْكُور. وجه الشرط أن لا موضوعة لأن تنفي بها ما أوجبته للمتبوع لا لأن تقيد بها النفي

في شيء قد نفيته كذا في المطول. فإن تم ذلك يظهر ضعف منع شرطه كما مَرَّ؛ إذ ما ثبت

بالوضع لا يمنع. نعم إن لصاحب الكَشَّاف ومن تبعه كالْمُصَنّف أن يمنع ثبوت الوضع

الْمَذْكُور والتفصي عنه بالنقل عن ثقة أئمة النحاة واللغات وإلا فلا.

قوله: (وطلبًا للرياسة) قيل يريد أن (بغيًا) مَفْعُول له لما دل عليه ما وإلا لثبوت

الاخْتلَاف بعد مجيء العلم كما تقول ما ضربت إلا ابني تأديبًا، وأما ما أشار إليه من حصر

الباعث في البغي فمن المقام أو الحصر الْمَذْكُور من الْكَلَام إن جوزنا تعدد الاستثناء المفرغ

أي استثناء شيئين من متعددين. والْمَعْنَى وما اختلفوا في وقت لغرض إلا بعد العلم لغرض

البغي كما تقول ما ضرب إلا زيد عمرًا. أي ما ضرب أحد أحدًا إلا زيد عمرًا انتهى. وقد

عرفت وجهًا يستغنى به عن هذا التمحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت