قوله: (عَلَى البناء للمَفْعُول) في الكَشَّاف والوجه أن يراد ما وقع من الاخْتلَاف
والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم. يعني لا بينهم وبين الرَّسُول عليه
السلام في شأن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ كما مَرَّ بَيَانُهُ في القراءة الأولى بدليل قوله:(ليحكم
بينهم)فـ [حِينَئِذٍ] لا تَغْليب في بينهم، كما كان في الأول والمص أشار إليه(بقوله
فيكون الاخْتلَاف فيما بينهم)فالداعي حِينَئِذٍ بعضهم لبعض لا الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ وكلامه
حيث فرع قوله فيكون الاخْتلَاف عَلَى القراءة الثانية يشعر بأنه مَخْصُوص بهذه القراءة، والظَّاهر
من كلامه أَيْضًا أنه لا احتمال حِينَئِذٍ كون الاخْتلَاف بينهم وبين الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ، وقول
صاحب الكَشَّاف والوجه أنه الراجح لا أنه مختص به بل الأولى أن يكون هذا الوجه راجحًا
مُطْلَقًا لا مختصًا بهذه القراءة، وأَيْضًا عَلَى هذه القراءة يمكن حمل الاخْتلَاف عَلَى الاخْتلَاف
بينه عَلَيْهِ السَّلَامُ وبينهم بطَريق التَغْليب كما في الأول. وبالْجُمْلَة يمكن اعتبار الاحتمالين كل
منهما في كل منهما من القراءتين، ولك أن تقول: سلك المص مسلك الاحتباك.
قوله: (وفيه دليل عَلَى أن الأدلة السمعية حجة في الأصول) هذا مستنبط من إطلاق
الْقَوْل بأن الْكتَاب حاكم وهذا عَلَى تقدير كون الْمُرَاد من الاخْتلَاف الاخْتلَاف بين الرَّسُول
عَلَيْهِ السَّلَامُ وبين الْيَهُود؛ لأنهم لما ادعوا أن دين إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ الْيَهُودية وأراد عليه
السلام إثباته بما في التَّوْرَاة وهي دليل سمعي ولا قائل بالفصل فعلم أن الأدلة السمعية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
لما أن بعضهم أسلم وبعضهم لم يسلم. أقول: فعلى القراءة عَلَى المبني للفاعل الضَّمير أيضًا عائد
إلى (الَّذينَ أوتوا) ومع هذا جوز رحمه الله في القراءة بالمبني للمَفْعُول قال
صاحب الكَشَّاف وَقُرئَ «لِيُحْكَمَ» عَلَى البناء للمَفْعُول، والوجه أن يراد ما وقع من الاخْتلَاف والتعادي
بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلَى كتاب الله الذي لا اخْتلَاف بينهم في
صحته وهو التَّوْرَاة ليحكم بين المحق والمبطل منهم (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وهم الَّذينَ لم يسلموا
وذلك أن قوله: (ليحكم بينهم) يقتضي أن يكون اخْتلَافًا واقعًا فيما بينهم لا
فيما بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا والإشكال الْمَذْكُور يرد أَيْضًا عَلَى ما في الكَشَّاف بغير ما ذكر.
قوله. وفيه دليل عَلَى أن الأدلة السمعية حجة في الأصول. أي في أصول الدين التي هي
المتعلقة بالاعتقاد الحق بما جاء به الرسول بالضرورة وهذا إنما يستقيم إذا كان سبب النزول ما ذكر
أولًا من أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل مدارسهم الخ. فإن ذلك في اخْتلَافهم في أمر متعلق بالاعتقاد لما قيل له عليه
الصلاة وَالسَّلَامُ عَلَى أي دين أنت الخ. وأما إذا كان سبب النزول اخْتلَافهم في الرجم تكون الآية.
حجة في مسألة متعلقة بالفروع. أما وجه دلالة الآية عَلَى كون الأدلة السمعية حجة في الأصول هُوَ
التعجب والاستبعاد المدلول عليهما بالهمزة وثم في قوله عز وعلا: (ألم تر)
إلى (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) فإن كلمة (ثُمَّ) فيه للتراخي الرتبي الدال عَلَى بُعد
توليهم عن كتاب التَّوْرَاة مع علمهم بأن الرجوع إليه واجب عليهم لما أنهم علموا صحته وأنه منزل
منْ عنْد اللَّه وأن ما فيه من الأحكام واجب عليهم.