الْمُؤْمن لا يخلد في النَّار) بارْتكَاب الكبيرة (لأن توفية إيمانه) أي جزاء إيمانه (و) جزاء
(عمله) الصالح (لا يكون في النَّار) لأنها دار العقاب لا دار الثواب (ولا قبل دخولها)
بأن يدخل الجنة ويثاب بقدر عمله الصالح وإيمانه ثم يخرج ويدخل في النَّار؛ لأن
الْإجْمَاع [انعقد] عَلَى أن من دخل الجنة لا يخرج أبدًا، والاعتراض بأنه يجوز أن يكون
فيها بتخفيف العذاب وقبلها بدفع بعض الأهوال عند موقف الحساب والمرور عَلَى
الصراط في غاية السقوط. أما الأول فلأن الثواب لا يجتمع مع العذاب، وتخفيف العذاب
عن الْكُفَّار عَلَى قول ضعيف لا يسمى ثوابًا، عَلَى أنه قول مردود بالآيات الناطقة بنفيه
على أن الأئمة أجمعوا عَلَى أن الْمُؤْمن لا يخلد في النَّار وهذا البحث خرق [لِلْإجْمَاع]
ومن طغيان الوهم، وأما الثاني فلأن دفع بعض الأهوال عند الموقف لا يكون توفية عمله
على أن النصوص نطقت بأن توفية العمل بالجنة لا سيما الإيمان فإنه كافٍ في دخول
الجنة قال تَعَالَى:(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)الآية. قال المص هناك فيه دليل عَلَى أن
الإيمان وحده كافٍ في استحقاق الجنة. نعم يتوجه البحث الْمَذْكُور عَلَى ظَاهر تقرير
المص مع قطع النظر عن مثل ما ذكرناه. لكن التحاشي عن مثل هذا البحث الذي يخالف
الْإجْمَاع وسائر النصوص واجب، وأنت خبير بأن مراد المص رد المعتزلة [لأنهم] يقولون
إن مرتكب الكبيرة يخرج عن الإيمان وإن لم يدخل في الكفر والطغيان فلا يكون ما
ذكره مقابلًا لهم (فإذا هي بعد الخلاص منها) .
قوله: (الضَّمير لكل نفس عَلَى الْمَعْنَى لأنه في معنى كل إنسان) توجيه لتذكير الضَّمير
مع أن النفس مؤنثة وكل تابع لمدخوله في التأنيث والتذكير، وإلا فلا حاجة إلَى التوجيه لأن
المرجع كل، ولذا قيل لأنه في معنى كل إنسان، ولم يتعرض لتوجيه الجمع لأن كل جمع
معنى فيراعي جانب معناه فيجمع مثل قَوْلُه تَعَالَى: (كُلٌّ لَهُ قَانتُونَ) وقوله:
(كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجعُونَ) وهذا كثير جدًا وقد يكون الراجع إليه مفردًا مراعاة
[للفظه] كقَوْله تَعَالَى: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) ، وقَوْلُه تَعَالَى:(كُلُّ نَفْسٍ
بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)، وغير ذلك قوله لأنه في معنى كل إنسان من باب الاكتفاء
لأنه يعم الْجَزَاء أَيْضًا كما أشرنا إليه في اختيار لفظة نفس. والْمَعْنَى وهم لا يعاملون بمعاملة
الظلم [بنقص ثوابهم] وزيادة عقابهم، فالْجُمْلَة تذييلية مؤكدة لمَنْطُوق ما قبلها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
بَاطِلٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُحَابَطَةِ مُحَالٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ثَوَابَ تَوْحِيدِ سَبْعِينَ سَنَةً أَزْيَدُ مِنْ عِقَابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الْخَمْرِ، وَالْمُنَازِعُ فِيهِ مُكَابِرٌ، فَبِتَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْمُحَابَطَةِ يَمْتَنِعُ سُقُوطُ كُلِّ ثَوَابِ الْإِيمَانِ بِعِقَابِ شُرْبِ جَرْعَةٍ مِنَ الْخَمْرِ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: ثَوَابُ إِيمَانِ لَحْظَةٍ، يُسْقِطُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً، فَثَوَابُ إِيمَانِ سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يُعْقَلُ أَنْ يُحْبَطَ بِعِقَابِ ذَنْبِ لَحْظَةٍ، وَلَا شَكَّ أنه كلام ظاهر] .
قوله: المضمر لكل نفس عَلَى الْمَعْنَى يعني كان الظَّاهر أن يقال وهو لا يظلمن لكن تذكير
الضَّميرين للحمل عَلَى الْمَعْنَى لأن كل إنسان ذكرًا كان أو أنثى .