بيان تعريف الحمد ثم الْمُرَاد بعموم الملك وخصوصه عموم متعلقه وخصوصه .
قوله: (وقيل الْمُرَاد بالملك) أي الأخيرين (النبوة) فتكون اللام فيه للعهد الخارجي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل الْمُرَاد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلَى قوم. قال الإمام: [ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ: مُلْكُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) ]
قال الإمام:[فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا حَمَلْتُمْ قَوْلَهُ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ عَلَى إِيتَاءِ مُلْكِ النُّبُوَّةِ، وَجَبَ أَنْ تَحْمِلُوا قَوْلَهُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْزِلُ عَنِ النُّبُوَّةِ مَنْ جَعَلَهُ نَبِيًّا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا جَعَلَ النُّبُوَّةَ فِي نَسْلِ رَجُلٍ، فَإِذَا أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنْ نَسْلِهِ، وَشَرَّفَ بِهَا إِنْسَانًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّسْلِ، صَحَّ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى نَزَعَهَا مِنْهُمْ، وَالْيَهُودُ كَانُوا مُعْتَقِدِينَ أَنَّ النُّبُوَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا شَرَّفَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا، صَحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَنْزِعُ مُلْكَ النُّبُوَّةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْعَرَبِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ أَيْ تَحْرِمُهُمْ وَلَا تُعْطِيهِمْ هَذَا الْمُلْكَ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَسْلُبُهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) مَعَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَتَنَاوَلُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي ظُلْمَةِ الْكُفْرِ قَطُّ].
هذا وقد اختار الأول المص من هذين
الْجَوَابين. وللمعتزلة هَاهُنَا بحث قال الكعبي قوله:(تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ
تَشَاءُ)ليس عَلَى سبيل المجازفة ولكن بالاستحقاق فيؤتيه من يقوم به ولا ينزع
إلا ممن فسق عن أمر ربه ويدل عليه قوله: (لا يَنَالُ عَهْدي الظَّالمينَ) وقال في حق
العبد الصالح: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ [وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ] ) فجعله سببًا
للملك.[وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: هَذَا الْحُكْمُ مُخْتَصٌّ بِمُلُوكِ الْعَدْلِ، فَأَمَّا مُلُوكُ الظُّلْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُلْكُهُمْ بِإِيتَاءِ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِيتَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ أَلْزَمَهُمْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكُوهُ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُلُوكَ الْعَادِلِينَ هُمُ الْمُخْتَصُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَاهُمْ ذَلِكَ الْمُلْكَ، فَأَمَّا الظَّالِمُونَ فَلَا، قَالُوا:
وَنَظِيرُ هَذَا مَا قُلْنَاهُ فِي الرِّزْقِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْحَرَامُ الَّذِي زَجَرَهُ اللَّهُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَكَذَا هَاهُنَا، قَالُوا: وَأَمَّا النَّزْعُ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا يُنْزَعُ الْمُلْكُ مِنَ الْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ فَقَدْ يُنْزَعُ الْمُلْكُ عَنِ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ وَنَزْعُ الْمُلْكِ يَكُونُ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا بِالْمَوْتِ، وإزالة العقل، وإزالة القوى، والقدر وَالْحَوَاسِّ، وَمِنْهَا بِوُرُودِ الْهَلَاكِ وَالتَّلَفِ عَنِ الْأَمْوَالِ، وَمِنْهَا أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُحِقَّ بِأَنْ يَسْلُبَ الْمُلْكَ الَّذِي فِي يَدِ الْمُتَغَلِّبِ الْمُبْطِلِ وَيُؤْتِيَهُ الْقُوَّةَ وَالنُّصْرَةَ، فَإِذَا حَارَبَهُ الْمُحِقُّ وَقَهَرَهُ وَسَلَبَ مُلْكَهُ جَازَ أَنْ يُضَافَ هَذَا السَّلْبُ وَالنَّزْعُ إِلَيْهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ وَقَعَ عَنْ أَمْرِهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى مُلْكَ فَارِسَ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ، هَذَا جُمْلَةُ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.]
وأجاب الإمام عن قولهم [بِأنَّ حُصُولَ الْمُلْكِ لِلظَّالِمِ، إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ وَقَعَ لَا عَنْ فَاعِلٍ وَإِنَّمَا حَصَلَ بِفِعْلِ ذَلِكَ الْمُتَغَلِّبِ، أَوْ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْأَسْبَابِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ: نَفْيٌ لِلصَّانِعِ وَالثَّانِي: بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَ الْمُلْكِ وَالدَّوْلَةِ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَتَيَسَّرُ لَهُ الْبَتَّةَ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ مُلْكَ الظَّالِمِينَ إِنَّمَا حَصَلَ بِإِيتَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ تَهَابُهُ النُّفُوسُ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ، وَيَكُونُ النَّصْرُ قَرِينًا لَهُ وَالظَّفَرُ جَلِيسًا مَعَهُ فَأَيْنَمَا تَوَجَّهَ حَصَلَ مَقْصُودُهُ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي كَيْفِيَّةِ أَحْوَالِ الْمُلُوكِ اضْطُرَّ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ حَكِيمُ الشُّعَرَاءِ:
لَوْ كَانَ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدْتَنِي ... بِأَجَلِّ أَسْبَابِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِي