على الظرف لكن الاستثناء بالنظر إلَى الظَّاهر دون الباطن ولذا قال (فإن إظهار الموالاة) أي
مع البغض في الباطن (حِينَئِذٍ جائز) والقرينة عليه أنه لما كانت الموالاة حِينَئِذٍ لأجل الضرر
والشر، فإباحتها تقدر بقدر دفع الحاجة وهي مندفعه بإظهار الموالاة فيبقى المنع عن الموالاة
باطنًا عَلَى حالها.
قوله: (كما قال عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ كن وسطًا) أي داوم الأوسط في معاشرة النَّاس
ومخالفتهم (وامش جانبًا) في موافقتهم فيما يأتون وَيَذَرُونَ. وقيل كن بجسدك أي بظاهرك
مع الناصب وامش جانبًا متبعدًا عن النَّاس وقلبك في حظيرة القدس. وحاصله دارهم ما دمت
في دارهم المداراة للضرورة من مكارم الأخلاق. ووجه الالْتفَات من الغائب إلَى الخطاب
إيذان بلطف الله تَعَالَى حيث رخص لهم ما تندفع به الضرورة وإن أول الْكَلَام النهي
فيناسب الغيبة وآخره التوسيع عليهم فيليق بالخطاب تَشْريفا لأولي الألباب.
قوله: (فلا نتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه) وبهذا يظهر ارتباطه بما
قبله فإن موالاة أعدائه تجر إلَى سخطه وعقابه فإن من يتولهم فهو منهم كما قال عليه
السلام: (لا [تراءى] ناراهما) أي يجب أن يتباعد بحَيْثُ إذا أوقدت ناراهما لم تلمح [إحْدَاهُمَا]
الأخرى قوله (وهو تهديد عظيم مشعر) .
قوله: (بتناهي [النهي] في القبح) وهذا الإشعار بسَبَب الجمع بين تعليق التحذير بذات
الله تَعَالَى وحصر الرجوع إليه مع أن تعليق التحذير بذاته تَعَالَى من غير ذكر صفة معينة من
الصفات فيه مُبَالَغَة عظيمة كما أشار إليه المص بقوله يصدر من اللَّه تَعَالَى.
قوله: (وذكر النفس ليعلم) فيه إشَارَة إلَى جواز إطلاق النفس عليه تَعَالَى بلا
مشاكلة وهو صفة له عند المتقدمن ومؤول بالذات عند المتأخّرين قد مَرَّ بَيَانُهُ مفصلًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كن وسطًا وامش جانبًا. وجه المناسبة أنه ترخيص للكون بينهم كما أن ذلك
ترخيص لاتخاذ غير الْمُؤْمنينَ أولياء عند المخافة من جهتهم أو منهم الْمَعْنَى كن فيما بينهم
صورة وتجلب عليهم معنى وسيرة ولا تخالطهم مخالطة الأوداء ولا تتسير بسيرتهم. وقيل معناه
لا تجانب معاشرتهم، ولكن جانب الخوض في أمورهم. وقيل معناه لكن جسدك مع النَّاس
وقلبك في حظيرة القدس.
قوله: وهو تهديد عظيم يشعر بتناهي القبح في المنهي عنه وهو اتخاذ الْكَافرينَ أولياء
معنى الإشعار بذلك مُسْتَفَاد من تعليق التحذير بذات الله تَعَالَى حَيْثُ قال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)
أي عقاب نفسه فيعلم منه أن المحذور منه عقاب صادر منه تَعَالَى فلا يؤيد دونه
أي فلا يبالي دون عقاب صادر منه تَعَالَى بما يحذر من الكفرة لأنه قد يقدر غيرهم عَلَى دفع ما
حذروه بخلاف الصادر منه تَعَالَى فإنه أعظم أنواع العقاب لا قدرة لأحد عَلَى دفعه وكذا من قوله
سبحانه: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) لانبائه عَلَى المجازاة الْأُخْرَويَّة.