مريم لما عرفت من أن ذكر خلقه بلا أب لانتزاع وجه الشبه من ذلك .
قوله: (إفحامًا للخصم) وهو النصارى حيث أثبتوا له الْأُلُوهيَّة (وقطعًا لمواد الشبه)
لأن آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ حاله أغرب من حاله فإذا نظر العاقل إلَى حالهما زالت الشبهة
الْمَذْكُورة بالمرة .
قوله: (والْمَعْنَى أنه خلق قالبه) أي جسده (من التراب) .
قوله: (أي أنشأه بشرًا) بنفخ الروح فيه، وفيه إشَارَة إلَى أن خلق الْإنْسَان كائن مرة بعد
أخرى عَلَى ما يدل عليه (كقَوْله تَعَالَى(ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) كما أشار
إليه بقوله كقَوْله تَعَالَى لكن إطلاق الْإنْسَان بعد نفخ الروح وكذا إطلاق البشر ، وأما إطلاقه
على ما قبله من الأطوار فمجاز باعْتبَار ما يؤول إليه ونبه عليه بقوله أي أَنْشَأْناهُ بشرًا كقوله
ثم قوله: (أَنْشَأْناهُ) يريد به أن قوله (كن) كناية أو مجاز عن الإنشاء
والإحياء ؛ إذ ليس الْمُرَاد به حَقيقَة أمر كما حققه في سورة البقرة فالتراخي بين خلق القالب
والجسد وبين الإحياء فلا إشكال بكلمة (ثُمَّ) . قوله (أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه
ويجوز أن يكون (ثُمَّ) للتراخي في الخبر) أي الْمُرَاد بالخلق معناه اللغوي فـ [حِينَئِذٍ] أمر التراخي
واضح كون قوله: (كُنْ فَيَكُونُ) كناية عن الخلق دفعة بلا مادة وسبب في
صورة [التَّغْيير] بالإبداع، وأما التكوين فمستعمل في صورة تغيير في زمان غالبًا، كَمَا صَرَّحَ به
في سورة البقرة، ولا ريب أن (كُنْ فَيَكُونُ) في شأن آدم معبر بالتكوين
وأما سرعة الإيجاد فموكول إلَى الإرادة، فإذا تعلقت به الإرادة حصل الْمُرَاد بلا مهلة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فهو أنه خلق بغير أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم. قال صاحب الكَشَّاف فإن
قلت كَيْفَ شبه به وقد وجد هُوَ بغير أب ووجد آدم بغير أبٍ وأم؟ قلت هُوَ مثلية في أحد الطرفين
فلا يمنع اخْتصَاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به؛ لأن المماثلة مشاركة في بعض الأوصاف
ولأنه شبه به في أنه وجد وجودًا خارجًا عن العادة المستمرة وهما في ذلك نظيران ولأن الوجود
من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع
للخصم [وأحسم] لمادة شبهته إذا نظر فيما هُوَ أغرب مما استغرب منه. وعن بعض العلماء أنه أُسر
بالروم فقال لهم لم تَعْبُدُونَ عيسى قَالُوا لأنه لا أب له. قال فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قَالُوا كان
يُحْي الْمَوْتَى. قال [فحزقيل] أولى لأن عيسى أحيى أربعة [نفر] وأحيى [حزقيل] ثمانية آلاف. فقَالُوا كان
يبرئ الأكمه والأبرص. قال فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالمًا .
قوله: أي أنشأه بشرًا. فسر قول كن بالإنشاء إشَارَة إلَى أنه مجاز مُسْتَعَار للإيجاد وتمثيل
لسرعة نفاذ قدرته في المقدور عند تعلقها به بالأمر المطاع الذي يمتثل المأمور بأمره بلا توقف
ولذا رتب عليه قوله: (كن فيكون) بالفاء الدَّالَّة عَلَى التعقب بلا مهلة.