شاع في مطلق الدعاء كما يقال فلان يبتهل إلَى الله تَعَالَى في قضاء حاجته وكشف كربته كذا
في الكَشَّاف (وأصله الترك من قولهم [بهلت] الناقة إذا تركتها بلا صِرار) وصرار بكسر الصاد
المهملة خيط يشد عَلَى خلف الناقة لئلا يرضعها فصيلها. قيل وحديث المباهلة مخرج في
الدلائل عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - .
قوله: (عطف عَلَى نبتهل) عطف المفصل عَلَى المجمل لأنه بعد الإجمال ومعقب به
وأما عطف نبتهل عَلَى ندع ثم لأن الابتهال بعد الدعوة متراخ عنها، وفيه إشَارَة إلَى أن العاقل
يَنْبَغي أن يتراخى عن مثل هذا الأمر(فيه بيان روي أنهم لما دعوا إلَى المباهلة قَالُوا حتى
ننظر)أي أمهلنا حتى ننظر ونتفكر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فانصرفوا(فلما
تخالوا)ففي الْكَلَام حذف أكثر من جملة تخالوا تفاعل من الخلوة أي خلا بعضهم إلَى بعض
أو ببعض وانفرد بعض مع بعض (والعاقب) وهو صاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح(قَالُوا
للعاقب وكان ذا رأيهم: ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر
صاحبكم والله ما باهل قوم نبيًا)ولكن لم تذعنوا ولم تؤمنوا بها فلا يلزم من المعرفة الإيمان
فإنه هُوَ نسبة المخبر إلَى الصدق بالاختيار الباء في بالفصل للتعدية أو للملابسة أي الْقَوْل
الفاصل بين الحق والباطل. قوله في أمر صاحبكم وهو عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ حيث قلتم تارة إنه
هو الله تَعَالَى وأخرى هُوَ ابن الله وتارة هُوَ ثالث ثلاثة، وأجاب بالبرهان القاطع فأثبت أنه عبد
الله وروحه وكلمته فلم تستطيعوه المحاجة حسبما نطقت السُّورَة من أولها إلَى هنا .
قوله: (إلا هلكلوا) مُسْتَثْنَى من أعم الأحوال والقصر إضافي (قال أبيتم) أي عن كل
شيء (إلا إلف دينكم) أي الإقامة عَلَى دينكم وعلى ما أنتم عليه من النصرانية(فوادعوا
وصالحوا الرجل)يعني به رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم عبر به إصرار أعلم الكفر
(وانصرفوا إلَى بلادكم) أمر من الانصراف فاستحسنوا ذلك الْقَوْل ورضوا به(فأتوا رسول
اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وقد غدا)أي والحال أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ وقد صار في وقت الغداة أي الصبح
(محتضنًا) أي أخذا في حضنه وهو ما دون الإبط (الحسين آخذًا بيد الحسن وفاطمة تمشي
خلفه وعلي رضي الله عنه خلفها وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمِّنوا، فقال أسقفهم يا معشر
النصارى إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فلما تخالوا من الخلوة أي خلا بعضهم مع بعض من خلا فلان بفلان .
قوله: (ولَقَدْ جَاءَكُمْ) بالفصل أي بالْكَلَام البين والحكم القاطع من أمر عيسى .
قوله: فوادعوا وانصرفوا عَلَى لفظ الأمر الموادعة المتاركة. أي يدع كل منهما الآخر وما فيه .
قوله: وقد كذا محتضنًا. أي آخذًا له في حضنه وهو ما دون الإبط .
قوله: فقال أسقفهم الأسقف بضم الهمزة والقاف وتشديد الفاء اسم يوناني يقال لرؤساء
النصارى وعلمائهم .