سورة البقرة واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبهًا بغيره، فالْمَعْنَى لم تخلطون الحق
المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بَيْنَهُمَا. فقوله هنا بالتحريف إشَارَة إلَى
ما ذكرناه إن أريد بالتحريف المحرف فالباء صلة وتفسير للباطل، وإن أريد به المصدر فالباء
سببية فلا تكون تفسيرًا للباطل قوله (وإبراز الباطل في صورته) إما عطف تفسير للتحريف أو
إشَارَة إلَى تأويل الْكتَاب بالباطل فيكون تنبيهًا عَلَى قسمي التحريف فيكون اللبس مَجَازًا عن
جعلهم الحق المنزل مشتبهًا بالباطل سواء كان تبديل المنزل بالمخترع، أو بالتأويل الزائغ
بدون تحريف الكلم عَنْ مَوَاضعه.
قوله: (أو بالتقصر) عطف عَلَى التحريف (في الميز بَيْنَهُمَا) فالتقصير في تأويل ما
يحتاج إلَى تدقيق النظر لكن إطلاق التقصير عَلَى مثل هذا ليس بمناسب، فالأولى كون هذا
إشَارَة إلَى التأويل الباطل، وكون إبراز الباطل في صورة الحق تفسيرا للتحريف(وَقُرئَ
تُلَبِّسُونَ بالتشديد)عَلَى صيغة المعلوم للمُبَالَغَة اللازمة للتكثير (و) قرئ(تَلْبَسُونَ بفتح
الباء)قارئه يَحْيَى بن وثاب (أي تَلْبَسُونَ الحق مع الباطل) فاللبس بمعنى الاكتساء مجاز عن
الأخذ؛ إذ هُوَ لازم للاكتساء، ويحتمل أن يكون اسْتعَارَة مكنية وتخييلية بأن شبه الحق مع
الباطل من حيث إنهم بلازمونهما باللباس، وشبه الأخذ والمصاحبة بالاكتساء ومع ذلك قرينة
المكنية أو إيقاع اللبس وهو الاكتساء قرينة المكنية بدون الاسْتعَارَة في اللبس والاكتساء.
قوله: مع الباطل إشَارَة إلَى أن الباء للمصاحبة أو بمعنى مع (كقوله - صلى الله عليه وسلم -) استشهاد لاسْتعْمَال
اللبس في حال الشيء وصفاته كذا قيل. (كلابس ثوبي زور) خرَّج البخاري ومسلم رحمهما
الله تَعَالَى عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تَعَالَى عنها - قالت جاءت امرأة وقالت يا رسول
الله إِنَّ لِي جارةُ أي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ عَلَيْهِ
السلام: «المُتَشَبِّعُ وهو الذي يظهر أنه شبعان) وليس كَذَلكَ أول الْحَديث «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ
[يُعْطَ] كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» وتوضيحه أن المُتَشَبِّعَ هُوَ الذي يظهر أنه شبعان وليس كَذَلكَ
والْمُرَاد بهذا المتصلف ولابس ثوبي زور هُوَ الذي استعار ثوبًا يتجمل به أو يتنسك به لتقبل
شهادته فهو يشهد به زورًا ويظهر أنه له وليس له فيلبس جهتي زور ويصير كأنه لابس ثوبين
من الزور، ووجه الشبه بين المتصلف بما لم يملك ولابس ثوبي زور أن المتصلف ادعى
الكذب بزعم أنه له فضيلة ويفرق النَّاس بزعمه الباطل فيكون له جهتان شبيهتان بالزور
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كقوله «كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» [[استشعار] ] عَلَى تلبس اللبس بغير اللباس كقوله:
إذا هُوَ بالمجد ارتدى وتأزرا
قيل من عادة العرب أن لا يقبلوا شهادة من ليس لابس حلة، فإذا كان أحدهم يريد الشَّهَادَة
ولا يجد حلة استعارها وجعلها ثوبي زور؛ لأنه يشهد بها زورًا ويظهر أنها له وليست له.