الحبل أي في الآية. الكريمة، وأما في الْحَديث الشريف فتشبيه بليغ وتوحيد الضَّمير في له
لأن العطف بكلمة (أو) فالمرجع أحد الأمرين الدين أو الْكتَاب أو الْمُرَاد بالاعتصام بالْقُرْآن
الاعتصام بالأحكام الشرعية الاعتقادية والعملية فهو في الْحَقيقَة الاعتصام بالدين فهو راجع
إليه قوله من حيث إن التمسك الخ. فوجه الشبه بَيْنَهُمَا كون كل واحد منهما سببًا للخلاص
عن الهلال ولم يتعرض لكونه اسْتعَارَة تمثيلية عَلَى تشبيه الحالة بالحالة لأنها غير ظاهرة في
مثله (كما أن التمسك بالحبل سَبَبٌ للسلامة من التردي) .
قوله: (وللوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام تَرْشيحًا للمجاز) استعار الاعتصام له
بطَريق التبعية تَرْشيحًا للمجاز أي تَرْشيحًا للاستعارة لأن الاعتصام وهو التمسك من
ملائمات المشبه به وهو الحبل والقرينة إضافة الحبل إليه تَعَالَى. وأشار به إلَى أنه يكفي في
التَرْشيح التَّعْبير عن خاصة المشبه باسم خاصة المشبه به ولم يجب بقاء ذلك الاسم عَلَى
معناه الحقيقي فلا منافاة بين كون الاعتصام مُسْتَعَارًا للوثوق به وكونه تَرْشيحًا أي تزيينًا
لاسْتعَارَة الحبل للدين. والتردي مصدر من تردى إذا وقع في هفوة كالبئر .
قوله: (مجتمعين عليه( [وَلا تَفَرَّقُوا] ) أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل
الكتاب، أو لا تتفرقوا تفرقكم في [الجاهلية] يحارب بعضكم بعضًا) أي مجتمعين أي أنه حال من
الْفَاعل وإن كان الاجتماع في أزمنة متفرقة فيكون قوله: (وَلا تَفَرَّقُوا)
تأكيدًا للاعتصام جَميعًا والعطف للتغاير بَيْنَهُمَا في الْجُمْلَة. قوله عن الحق أي الدين أو
الْكتَاب. قوله بوقوع الاخْتلَاف الخ. وهذا محط النهي بأن آمن به بعضكم وكفر به آخرون
فعلى هذا النهي في الْحَقيقَة راجع إلَى النهي عن الكفر مفارقين عن أهل الإيمان. قوله كأهل
الْكتَاب أي الْيَهُود والنصارى وهذا الْمَعْنَى هُوَ المناسب لما قبله ولذا قدمه. قوله أو لا
تتفرقوا الخ. يناسب ما بعده. قوله يحارب الخ. فالتفرق [حِينَئِذٍ] بالعداوة المؤدية في الغالب إلَى
التفرق عن الحق أو المبدأ له ففي الْحَقيقَة نهى عن التفرق عن الصراط المستقيم .
قوله: (أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة) فيكون ولا تفرقوا مَجَازًا بذكر
المسبب وإرادة السبب وهو خلاف الظَّاهر وعن هذا أخّره، وأما التَجْويز فلمناسبة ما مَرَّ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ينقص بكثرة القراءة طراوته وحلاوته كما في يعاد ويستطاب فإن أحلى الْكَلَام المُسْتَعَاد المستطاب.
أقول جوز المص جعل الوجه الثاني اسْتعَارَة أخرى مع كونه ترشيحًا للاسْتعَارَة الأولى وصاحب
الكَشَّاف جعل كونه ترشيحًا مباينًا لكونه اسْتعَارَة لقوله أو ترشيحًا بلفظة (أَوْ) قوله ولا تتفرقوا عن الحق
بوقوع الاخْتلَاف بينكم فسر معنى لا تتفرقوا عَلَى ثلاثة أوجه: الوجه الأول مبني عَلَى أن النهي إنما هُوَ
عن نفس التفرق والاخْتلَاف والوجهان الآخران عَلَى أن النهي عن سبب التفرق وهو المعاداة أو تذكر
المعاداة فأطلق فيهما المسبب عَلَى السبب فنهى عن المسبب، والْمُرَاد النَّهي عن سببه .