يكون الأمر أمرًا حاضرًا. قوله آمرين الظَّاهر إذ النسخة التي وجدها المحشي أمرين بدل تأمرون
الأولى داعين قَوْلُه تَعَالَى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) الخ. وهذا يؤيد كون مِن للتبيين
فـ [حِينَئِذٍ] يكون الوجوب عَلَى جميع المكلفين وسقوطه عنهم بفعل بعضهم بقرينة أن تلك الدعوة من
الأمور العظائم التي لا يتولاها إلا العلماء بأحكامه تَعَالَى كما مرَّ بيانه ومراتب الاحتساب وكيفية
إقامتها فلا يكون فرض عين لكونه حرجًا وهو مدفوع بالنص وكون وجوبه بالخطاب العام لا
ينافي كونه فرض كفاية كالجهاد فإنه من فروض الكفاية مع أن وجوبه بالخطابات العامة لكونه
حرجًا في كونه فرض عين فكذا هنا وبهذا التحقيق اندفع ما قيل هَاهُنَا نظر لأن أحد الاحتمالين
باطل إلَى آخر ما قال لأن الاحتمالين واضحان بالاعتبارين كما عرفته .
قوله:(وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه عطف الخاص عَلَى العام
للإيذان بفضله)أو التَّنْبيه عَلَى أن الدعوة إلَى ما فيه صلاح دنيوي فليس بفرض، وإنما
الفرض الدعوة إلَى ما فيه صلاح ديني وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي النهي
أَيْضًا دعوة إلَى الخير وهو الكف عن المنكر، وبهذا التقرير اندفع الإشكال بأن الآية ليست
من قبيل ذكر الخاص بعد العام ؛ إذ الدعوة عامة إلَى ما فيه صلاح دنيوي أَيْضًا والأمر والنهي
خاص كأنه عطف تفسير يبين ما هُوَ الْمُرَاد من الدعوة .
قوله: (أي الْمَخْصُوصون بكمال الفلاح) أي القصر المُسْتَفَاد من تعريف الخبر قصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه. أي عَلَى الدعاء المدلول عليه بـ يدعون
مع أنهما داخلان فيه إيذانًا بفضلهما. وجه الإتيان به أن عطف الخاص عَلَى العام يوهم أن الخاص
لكماله بالنسبة إلَى سائر أفراد العام كأنه ليس من مشمولات ذلك العام بل هُوَ خارج عنها فكان
العام لم يف في تأديته فلا بد أن يؤدي بلفظ آخر ملحقًا عليه بالعطف بحرف الجمع قال الشاعر .
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
قوله: والأمر بالمعروف يكون واجبًا ومندوبًا. قال صاحب الكَشَّاف والأمر بالمعروف تابع
للمأمور به إن واجبًا فواجب وإن كان ندبًا فندب، وأما النهي عن المنكر فواجب كله لأن جميع المنكر
تركه واجب لاتصافه بالفتح، وقال فإن قلت: ما طريق الوجوب؟ قلت قد اختلف فيه الشيخان فعند أبي
علي السمع والعقل وعند أبي هاشم السمع وحده، ثم قال فإن قلت: ما شرائط النهي؟ قلت أن يعلم الناهى
أن ما ينكره قبيح لأنه إذا لم يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن وأن لا يكون ما ينهى عنه واقعًا لأن الواقع لا
يحسن النهي عنه، وإنما يحسن الذم عليه والنهي عن أمثاله وأن لا يغلب عَلَى ظنه أن المنهي يزيد في
منكراته وأن لا يغلب عَلَى ظنه أن نهيه لا يؤثر لأنه عبث، ثم قَالَ فإن قلت: فما شرط الوجوب؟ قلت أن
يغلب عَلَى ظنه وقوع المعصية نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته وأن لا يغلب
على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة، وقال فإن قلت: كَيْفَ يباشر الإنكار؟ قلت يبتدئ بالسهل فإن لم
ينفع ترقى إلَى الصعب لأن الغرض كف المنكر قال الله تَعَالَى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)
قال فقاتلوا، وقال فإن قلت: فمن يباشره؟ قلت كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه، وقال فإن قلت فمن
يؤمر وينهى؟ قلت كل مكلف وغير المكلف إذا هم بضرر غيره منع كالصياد والمجانين وينهى الصبيان
عن المحرمات حتى لا يتعودوها كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها.