قوله: (بسَبَب كفرهم بالآيات وقتلهم الْأَنْبيَاء) فكانوا مجزيين في الدُّنْيَا بالذل والفقر.
قوله:(والتقييد بغير حق مع أنه كَذَلكَ في نفس الأمر للدلالة عَلَى أنه لم يكن حقًا
بحسب اعتقادهم أَيْضًا)فيكون هذا التَّقْييد بالنظر إلَى اعتقادهم دون الواقع وفيه ذم بليغ
وتشنيع بأن شدة شكيمتهم بلغت في الخبث نهايته حيث إنهم لم يروا ما يعتقدون به جواز
قتلهم، وإنَّمَا حملهم عَلَى ذلك اتباع الهوى كما أشار إليه تَعَالَى بقوله: (ذلك بما عصوا)
الآية.
قوله: (أي الكفر والقتل) فلا تكرار.
قوله:(بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله، فإن الإِصرار على الصغائر يفضي إلى
الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر. وقيل معناه أن ضرب الذلة في الدنيا
واستيجاب الغضب في الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب عن عصيانهم
واعتدائهم من حيث إنهم مخاطبون بالفروع أيضًا). وقيل معناه فحِينَئِذٍ ذلك الثاني يكون
إشَارَة أَيْضًا إلَى ضرب الذلة الخ. فيكون ذلك تكرارا وهو وإن لم يكن مخلًا بالبلاغة
لكن الْمَعْنَى مهما أمكن بدون تكرار فلا يصار إلَى غيره مع أن الضرب يرجح الْمَعْنَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل معناه أن ضرب الذلة الخ. قائله صاحب الكَشَّاف فإنه قال ثم قال (ذلك بما عصوا)
أي ذلك كائن بسَبَب عصيانهم للَّه واعتدائهم لحدوده ليعلم أن الكفر وحده ليس بسَبَب في
استحقاق سخط الله وأن سخطه يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. أقول: كان مقتضى
الظَّاهر حِينَئِذٍ أن يعطف ذلك الثاني عَلَى الأول بالواو والآية عَلَى هذا الْمَعْنَى مما يحتج به عَلَى أن
الْكُفَّار مخاطبون بالفروع لا عَلَى الْمَعْنَى الأول الذي ذكره الْمُصَنّف لأن المص جعل ذلك الثاني
إشَارَة إلَى الكفر والقتل لا إلَى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب وصاحب الكَشَّاف وإن لم
يصرح بالمشار إليه في الثاني لكن تقريره يفيد إفادة ظاهرة أن المشار إليه بالثاني هُوَ المشار إليه
بالأول وهو ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب ذكر الإمام في سبب تكرير ذلك وَجْهَيْن: الأول
[أَنَّ عِلَّةَ الذِّلَّةِ وَالْغَضَبِ وَالْمَسْكَنَةِ هِيَ الْكُفْرُ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعِلَّةُ الْكُفْرِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْمَعْصِيَةُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَوَغَّلُوا فِي الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ فَكَانَتْ ظُلُمَاتُ الْمَعَاصِي تَتَزَايَدُ حَالًا فَحَالًا، وَنُورُ الْإِيمَانِ يَضْعُفُ حَالًا فَحَالًا، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ بَطَلَ نُورُ الْإِيمَانِ وَحَصَلَتْ ظُلْمَةُ الْكُفْرِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كانُوا يَكْسِبُونَ) فَقَوْلُهُ (ذلِكَ بِما عَصَوْا) إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ الْعِلَّةِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ أَرْبَابُ الْمُعَامَلَاتِ، مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الْآدَابِ وَقَعَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وَقَعَ فِي تَرْكِ الْفَرِيضَةِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الْفَرِيضَةِ وَقَعَ فِي اسْتِحْقَارِ الشَّرِيعَةِ، وَمَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ. الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ، وَيُرِيدَ بِقَوْلِهِ (ذلِكَ بِما عَصَوْا) مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ عِلَّةَ عُقُوبَةِ مَنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَأَخَّرَ لَمَّا تَبِعَ مَنْ تَقَدَّمَ كَانَ لِأَجْلِ مَعْصِيَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ مُسْتَوْجِبًا لِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ حَتَّى يَظْهَرَ لِلْخَلْقِ أَنَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ لَيْسَ إِلَّا من باب العدل والحكمة.] . أقول: هذا الوجه الثاني بعيد لأن فيه لزوم تفكك الضمائر.