فلما بلغوا الشوط انخذل ابن أُبيٍّ في ثلاثمائة رجل وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعهم
عمرو بن حزم الأنصاري وقال: أنشدكم الله والإِسلام في نبيكم وأنفسكم. فقال: ابن أبي لو نعلم قتالًا
لاتبعناكم، فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) في زُهاء بضم الزاي
الْمُعْجَمَة والمد بمعنى المقدار. قوله الشوط بشين معجمة وواو ساكنة وطاء حائط عند جبل
أُحد [ومكانه] القريب منه وأصل معناه المرة من الجري كما قيل سبعة أشواط بين الصفا
والمروة. قوله انخزل أي انقطع ورجع لنفاقه ولإرادة الله تَعَالَى إظهار نفاقه. قوله فقال [عَلَام]
الميم أصله ما حذف ألفه تخفيفًا كقَوْله تَعَالَى: (عم يتساءلون) أي عَلَى شيء
نقتل أنفسنا بمباشرة أسباب القتال. قوله [أنشدكم] الخ. قسم ؛ إذ الْمَعْنَى أسألكم باللَّه والله
منصوب بـ أنشدكم فقال ابن أُبيٍّ لو نعلم قتالًا وسيجيء توضيحه في قَوْله تَعَالَى ،(قَالُوا لَوْ
نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ).
قوله: (والظاهر أنها ما كانت عزيمة لقوله تعالى:(وَاللَّهُ وَلِيُّهُما) أي
عاصمهما من اتباع تلك الخطرة، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما تفشلان ولا تتوكلان
على الله) والظَّاهر أنها أي الهم [والتأنيث] باعْتبَار الخبر ما كانت عزيمة أي عن عزم وقصد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أنشدكم اللَّه في نبيكم وأنفسكم. قال الْجَوْهَريُّ: نشتدت فلانًا أنشده إذا قلت له نشدتك
الله أي سألك باللَّه كأنك ذكرته إياه .
قوله: في نبيكم أي في حق نبيكم وأنفسكم .
قوله: فهم الحيان باتباعه أي باتباع ابن أبي في الرجوع عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نعصمهم أي عصمهم
الله بأن خلق فيهم قوة القلب والثبات عَلَى العزم عَلَى القتال مع الْمُشْركينَ فمضوا مع الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -
فحاربوهم وهزموهم .
قوله: والظَّاهر أنه ما كانت عزيمة أي ما كانت تلك الهمة أي هم رجوعهما عن النَّبيّ
واتباعهما لابن أبي عزيمة ومجزومًا به بل كان خطرة وحديث نفس واختلج في قلبهما ثم ثبتا
وصبرا ولم يرجعا اختلفوا في الْمُرَاد من قَوْلُه تَعَالَى: (إذ همت طائفتان)
فمتهم من قال هم الطائفتين كان عزيمة وقصدًا للرجوع من النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - . والْمَعْنَى قصدت طائفتان
وعزمتا أن تفشلا، واستشهد عَلَى ذلك بقوله ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: أضمروا أن يرجعوا أي
عزموا وقصدوا لكن الظَّاهر أنه ما كانت عزيمة لأن الله تَعَالَى يقول (والله وليهما) ولا يكون الله تَعَالَى
وفي قوم عزموا عَلَى خذلان رسوله وابتاع عدوه عبد الله بن أُبي ولأن كون هذا مجرد خطرة
وحديث نفس من غير قصد وعزيمة عَلَى الرجوع أليق بحال أصحاب الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم -. أقول: دلالة الأول
على ذلك غير قطعية لجواز أن يكون قوله عز وجل: (والله وليهما) حالًا
على معنى أنهما عزما عَلَى الرجوع مع علمهم بأن الله تَعَالَى ناصرهما ؛ إذ قد وعد لهم النصر إن
صبروا وثبتوا يرشد إليه قوله ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما تفشلان، فعلى هذا يجوز أن
يكون الْكَلَام واردًا عَلَى توبيخهم عَلَى الرجوع مع وجود الصارف عن الرجوع وكذا دلالة الثاني
عليه وذلك ظَاهر ؛ إذ يمكن أن يحملهم الجبن وضعف القلب بمقتضى الجبلة البشرية عَلَى الرجوع
وإن كانوا أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - .