قوله: (عَلَى أن الواو للجمع) لكن المقصود نفي الأمرين جَميعًا كما في قولك لا
تأكل السمك وتشرب اللَّبَن. أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللَّبَن، وهذا يصدق بانتفاء
واحد منهما وكذا ما نحن فيه. والْمَعْنَى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق
منكم الجهاد والصبر أي الجمع بَيْنَهُمَا فإن عدم تحقق الجمع إما بانتفائهما جَميعًا أو
بأحدهما، وإيثار اسم الْفَاعل هنا مع إيثار الموصول أولًا لإفادة أن المعتبر هُوَ الدوام عَلَى
الصبر كائنًا ما كان بخلاف الجهاد وكونه للمحافظة عَلَى الفواصل ليس بقوي لأنه خاص
هنا والأول جار في كل محل هذا المَوْضع. قيل فحذف نون يعلمن لالتقاء الساكنين والظَّاهر
أن حذفه لأجل التخفيف وإلا يلزم حذف الساكن فيما بعده ساكن، وليس كَذَلكَ بل حرك
الساكن إما بالكسر أو بالفتح؛ ولذلك قال النحرير التفتازاني إن حذفه من غير ملاقاة ساكن
كما في قوله اضربْ عنك الهموم طارقها. أصله اضربن فحذف النون للتخفيف وكذا هنا .
قوله: (وَقُرئَ بالرفع عَلَى أن الواو للحال كأنه قال ولما تجاهدوا وأنتم صابرون)
والْمُضَارِع المنبت إذا وقع حالًا لا يكون الواو رابطة؛ ولذا قال كأنه قال الخ. إشَارَة إلَى أنه
مأول بالْجُمْلَة الاسمية بتقدير المبتدأ. أي وهو يعلم الصابرين وما ذكره حاصل معناه وعلى
هذه القراءة، فالْمَعْنَى مثل القراءة الأولى في المآل .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى أن الواو للجمع كقولك لا تأكل السمك وتشرب اللَّبَن. قال أبو البقاء: والتقدير
أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين. وحقيقته ولم تجمعوا بين
الجهاد والصبر لما مَرَّ أن نفي العلم لنفي المعلوم. وقال بعضهم التقدير أحسبتم دخول الجنة وما
جمعتم بين المجاهدة والصبر، وهذه الواو تسمى واو الصرف، والْمُرَاد هَاهُنَا أن دخول الجنة وترك
المصابرة عَلَى الجهاد مما لا يجتمعان. قال الإمام: [حَاصِلَ الْكَلَامِ أَنَّ حُبَّ الدُّنْيَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ مَا يَزْدَادُ أَحَدَهُمَا يَنْتَقِصُ الْآخَرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَعَادَةَ الدُّنْيَا لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيَا، وَالسَّعَادَةُ فِي الْآخِرَةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِفَرَاغِ الْقَلْبِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ وَامْتِلَائِهِ مِنْ حُبِّ اللَّهِ، وَهَذَانَ الْأَمْرَانِ مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلِهَذَا السِّرِّ وَقَعَ الِاسْتِبْعَادُ الشَّدِيدُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَأَيْضًا حُبُّ اللَّهِ وَحُبُّ الْآخِرَةِ لَا يَتِمُّ بِالدَّعْوَى، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِدِينِ اللَّهِ كَانَ صَادِقًا، وَلَكِنَّ الْفَصْلَ فِيهِ تَسْلِيطُ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَحْبُوبَاتِ، فَإِنَّ الْحُبَّ هو الذي لا ينقص بِالْجَفَاءِ وَلَا يَزْدَادُ بِالْوَفَاءِ، فَإِنْ بَقِيَ الْحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أَسْبَابِ الْبَلَاءِ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُبَّ كَانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ قَالَ: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أَنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالْجِهَادِ وَتَشْدِيدِ الْمِحْنَةِ] .
قوله: (وأنتم صابرون) إشَارَة إلَى أن العلم في قَوْله تَعَالَى: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
كناية عن ثبوت المعلوم كما أن نفي العلم في قوله:(وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
الَّذِينَ جَاهَدُوا)مجاز عن نفي المعلوم .