قوله: (أو بإذنه لملك الموت عليه الصلاة والسلام في قبض روحه، والمعنى أن لكل نفس أجلًا
مسمى في علمه تعالى وقضائه (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)
بالإِحجام عن القتال والإِقدام عليه) فيكون الإذن عَلَى حقيقته وهو التخلية بينه وبين شيء
وقيل الإذن هُوَ الأمر والرضاء والمآل واحد. قوله لملك الموت مَفْعُوله المقدر حذف
لظهوره مع الاختصار. قوله بالإحجام ناظر إلَى (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ) والإقدام
ناظر إلَى (لا يَسْتَقْدِمُونَ) لف ونشر مرتب .
قوله: (وفيه تحريض وتشجيع على القتال، ووعد للرسول صلّى الله عليه وسلّم بالحفظ وتأخير الأجل)
أي الأجل المسمى إلَى وقت عين له. وحاصله أن الأجل المسمى لا يتغير بالجهاد والحرب
بقرينة قوله: (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ [ساعَةً] ) الخ. وتأخير الأجل بهذا الْمَعْنَى شامل
للجميع غير مختص به عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله: (مصدر مؤكد إذ الْمَعْنَى كتب الموت كتابًا) أي لمضمون ما قبله ؛ إذ الْمَعْنَى
كتب الموت في اللوح المحفوظ .
قوله: (مؤجلًا) أي مؤقتًا بحَيْثُ لا يكاد يقع قبله وإن خاض في الخطرات
والمهلكات ولا يكاد يتأخّر وإن تحصن ببروج مشيدات .
قوله: (صفة له أي مؤقتًا لا يتقدم ولا يتأخّر) صفة له أي لـ كتابًا صفة جرت عَلَى غير
ما هي له أي مؤجلًا ما فيه وهو الموت ؛ إذ لا معنى لكون الْكتَاب مؤجلًا إلا كون المكتوب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
حَقيقَة. وفي الكَشَّاف الْمَعْنَى أن موت الأنفس محال أن يكون بمشيئة الله تَعَالَى فأخرجه مخرج فعل
لا يَنْبَغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله له فيه تمثيلًا؛ ولأن ملك الموت موكل بذلك فليس له أن
يقبض نفسًا إلا بإذن من الله تَعَالَى. قَالُوا لما كان ظاهره يدل عَلَى أن أحدًا لا يموت إلا إذا أذن له
فيه، وليس كَذَلكَ لأن الموت لا يتوقف عَلَى الإذن والاستئذان بين المعنى بوَجْهَيْن: أحدهما التمثيل
كما ذكر وجهه، والثاني أن يكون المأذون ملك الموت لا النفس فهو عَلَى معنيين: أحدهما
تحريضهما عَلَى الجهاد وتشجيعهم عَلَى لقاء العدو بإعلامهم أن الحذر لا ينفع وأن أحدا لا يموت
قيل بلوغ أجله وأن خوض المهالك واقتحم المعارك، والثاني ذكر ما صنع الله برسوله عند غلبة
العدو والتفافهم عليه. قيل في الآية حجة عَلَى المعتزلة في جعلهم المقتول مقطوعًا عليه أجله. أقول:
لعل وجه الاحتجاج عليهم في تلك المسألة هُوَ أن الآية أفادت أن موت جميع الأنفس ليس إلا
بإذن الله فتكون كل نفس ميتًا بأجله الثابت في علم الله تَعَالَى، وجعل المقتول مقطوعًا عليه أجله
ينافي مضمون الآية. وقوله عَلَى معنيين أي له فائدتان [إحْدَاهُمَا] بالنسبة إلَى المؤمنين وهي التحريض
والتشجيع، والثانية بالنسبة إلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو ما صنع به من الحفظ وتأخير الأجل. وأشار المص إلَى
هاتين الفائدتين بقوله وفيه تحريض الخ.
قوله: مصدر مؤكد يعني مؤكد لمضمون قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
قوله: لا يتقدم ولا يتأخر. هذا بحسب الظَّاهر يناقض قوله وتأخير الأجل فالوجه أن يراد
بتأخير الأجل إبقاؤه إلَى الأجل المقدر له في علمه تَعَالَى؛ لأن أجله كان مقدمًا فأخره بحفظه .