لا نهي؛ إذ لا معنى له يراد به الامتناع العقلي ولو أريد بمثل قَوْلُه تَعَالَى:(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ
أَنْ يَغُلَّ)الامتناع العقلي مُبَالَغَة لقيام البرهان الساطع عليه ولم يحمل
على النهي لم يبعد. وفي تقرير المص إشَارَة إلَى ما فصلناه فلا تغفل.
قوله:(والْمُرَاد به: إما براءة الرسول عليه السلام عما اتهم به إذ روي أن قطيفة حمراء
فُقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخذها)فيكون ما كان للنبي خبرًا
بمعنى ما صح وامتنع امتناعًا لغيره بمقتضى الدليل فإن النبوة [تنافي الخيانة] وحديث
القطيفة أخرجه أبو دَاوُود والترمذي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - وحسنه.
قوله:(أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغنائم)أو ظن عطف عَلَى قوله اتهم به أي
أو براءة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ عَمَّا ظن به الرماة. قوله نخشى حكاية الحال الْمَاضية أو
للاسْتمْرَار من أخذ شَيْئًا فهو له، وفي الكَشَّاف وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر
فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ لهم"ألم عهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري"فقَالُوا تركنا
بقية إخواننا وقوفًا. فقال عَلَيْهِ السَّلَامُ"بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم"فنزلت. قيل وتركه
المص لما فيه من مخالفة ما سيأتي في الأنفال من قسم غنائم بدر انتهى. ولا يخفى أن
قولهم ذلك لا يقتضي وقوعه في نفس الأمر، ولعل هذا الْقَوْل لمن لم يعرف التقسيم يوم
بدر أو لمن لم يحضر تلك الوقعة أو بناء عَلَى الذهول فلا منافاة حِينَئِذٍ، وترك المص روما
للاختصار كما هُوَ عادته أو هذا رواية أخرى فلا منافاة.
قوله: (وإما المُبَالَغَة في النهي للرسول - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ما روي أنه بعث طلائع فغنم رسول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإما المُبَالَغَة في النهي للرسول. وجه المبالغة فيه أنه صور بصورة الخبر وإن كان أصل
الْمَعْنَى عَلَى النهي. الوجه الأول مبني عَلَى أنه - صلى الله عليه وسلم - ما صدر منه غلول ولا صح أن يصدر هُوَ منه.
والثاني عَلَى أنه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لما حرم بعض الغزاة وهم الطلائع من الغنائم سمي حرمانهم
غلولًا عَلَى سبيل الْمَجَاز تغليظًا فكان عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كأنه غل فنهى عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عن
هذا التحريم الذي عبر عنه بالغلول، فالْمَعْنَى عَلَى الثاني ما كان لنبي أن يعطي قومًا ويمنع آخرين بل
عليه أن يقسم بالسوية يكون الْمُرَاد نهيًا له عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ومنعًا عن المنع. والوجه الأول هُوَ
الوجه لما في الثاني من ارْتكَاب التكليف لجعل فعل النَّبيّ غلولًا وإن كان عَلَى التَّجَوُّز، ومن جعل
ذلك من باب التغليط وجعل الخبر إنشاء معنى. قال الزمخشري وسمي حرمان بعض الغزاة غلولًا
تغليظا وتقبيحًا لصورة الأمر. قال صاحب الانتصاف هذا مخالف لعادة لطف الله لرسوله في التأديب
ومزجه باللطف كقوله عز وجل: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) بدأه بالعفو فما كان
للزمخشري أن يعبر بهذه العبارة. وقال الطيبي: قد جاء أغلظ من ذلك بناء عَلَى التهيج والإلهاب نحو
قوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) أو التعريض نحو قوله: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ)