بقتال بل إلقاء بالأنفس إلَى التهلكة) قَالُوا اسْتئْنَاف (لو نعلم) صيغة الْمُضَارِع للاسْتمْرَار فيما
مضى وقتًا بعد وقت أي لو نعلم ما أنتم عليه مما يصح أن يسمى قتالًا بقرينة قوله لكن ما
أنتم عليه ليس بقتال يعني نفي العلم كناية عن أن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء بالنفس
إلى التهلكة ؛ إذ القتال يستدعي [التكافؤ] من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة وكلامهما
منتفيان هنا .
قوله: (أو لو نحسن قتالًا لاتبعناكم فيه، وإنما قالوه دغلًا واسْتهْزَاء) أي لو نقدر أي
نفي العلم مجاز عن نفي القدرة بعلاقة اللزوم ؛ إذ نفي العلم مستلزم لنفي القدرة عَلَى الْفعْل
الاختياري أخَّره لأن الأول هُوَ الْمُنَاسب لغرضهم الذي هُوَ الفساد، وَأَيْضًا الْمَشْهُور في نفي
العلم كونه كناية عن انتفاء المعلوم لا كونه مَجَازًا عن نفي القدرة، وَأَيْضًا الأول هُوَ الْمُنَاسب
لقولهم دغلًا واسْتهْزَاء. والدغل بالتحريك الفساد ظاهره أنه علة للأول ويحتمل أن يكون علة
للأول واسْتهْزَاء علة للثاني .
قوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ) [لانخذالهم] وكلامهم هذا فإنها أول
أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم) هم للكفر. الضَّمير مبتدأ وأقرب خبره والإفراد لتعديته
بـ من واللام في للكفر وللإيمان متعلقان به، وإنَّمَا ساغ لأن أفعل التَّفْضيل لدلالته عَلَى أصل
الْفعْل وزيادة جرى مجرى عاملين كأنه قيل قربهم يومئذ للكفر زائد عَلَى قربهم للإيمان
المظنون بسَبَب إقرارهم فإن قبل هذا اليوم لم يظهر منهم أمارات مؤذنة لكفرهم المبطن
وأما في هذا اليوم لما ظهر بعض أمارات وهو [الانخذال] أي المفارقة عن عساكر الموحدين
وقولهم (لو نعلم قتالًا لاتبعناكم) دل عَلَى نفاقهم دلالة راجحة وفي هذا تنبيه أَيْضًا عَلَى أنهم
لم يستحقوا أن يعامل بهم معاملة الْكُفَّار المجاهرين .
قوله:(وقيل هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل ال'يمان ؛ إذ كان [انخذالهم]
ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلًا للْمُؤْمنينَ) يعني بتقدير الْمُضَاف في للكفر وفي للإيمان
ومعنى أقربيته للكفر أقربية نصرتهم فيكون مآلهم (لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ) لأنهم
أقرب لأهل الكفر نصرة وكل من هذا شأنه فهو أقرب للكفر وهذا الْمَعْنَى مراد في كل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو لو [نحسن] قتالًا. أي لو شاهدنا قتالًا لاتبعناكم. قوله وإنَّمَا قالوه دغلا واسْتهْزَاء أي
قولهم ذلك إنما هُوَ عَلَى وجه الدغل والاسْتهْزَاء عَلَى أي وجه حمل هُوَ من الوَجْهَيْن الْمَذْكُورَين.
الدَّغَل بالتحريك الفساد ونقل الأزهري عن أبي عمرو أن الدغل هُوَ ما استترت به .
قوله: فإنه أول أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وفي الكَشَّاف يعني أنهم قبل ذلك اليوم
كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم فلما [انخذلوا] عن عسكر الْمُؤْمنينَ
وقَالُوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر .