قوله: (الدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته) قيد الوضوح
مستفاد من الفحوى. والآيات هي الدلائل المعقولة هنا. قوله عَلَى وجود الصانع أي الواجب
الوجود والدلالة عَلَى وجوده لأنها أمور ممكنة محدثة لا سيما التغير لأنه مستلزم لحدوثه
اتفاقًا فلا بد له من موجد واجب وجوده خارج عن سلسلة الممكنات دفعًا للدور
[والتسلسل] فإذا ثبت وجوده ثبت وحدته ؛ إذ لو كان معه إله غيره يقدر عَلَى ما يقدر عليه
لأمكن التمانع ففسد العالم كما فصل في علم الْكَلَام. والدلالة عَلَى كمال علمه وقدرته
إتقان هذه المصنوعات المقتضي لكمال علمه وتمام قدرته.
قوله:(لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم كَمَا سَبَقَ في سورة
البقرة)لذوي العقول تفسير لأولي الألباب لأن معنى اللب الخالص عن الشوائب الخ. فإن
الوهم إذا غلب عَلَى العقل يعسر الوصول إلَى الصواب المستقيم والحق القويم فيؤدي إلَى
الخسران المبين وتَحْصيل ذلك [بالمواظبة] عَلَى العمل بمقتضى الشرع وتهذيب القوتين
الشهوانية والغضبية وجعلهما مطواعة للعقل فيكون [حِينَئِذٍ] عقله مجلوًا مستعدًا لفيضان الأمور
الحقة ويكون متصلًا بعالم الملكوت وسنح له الفراسة والفطانة ممن له الجبروت. ولو
عكس وجعل العقل تابعًا للقوتين يسد له المسلكين وخرج [من] زمرة العاقلين وسلك في جملة
الهالكين. قَوْلُه تَعَالَى (لأولي الألباب) إشَارَة إلَى ما ذكرناه.
قوله: (ولعل الاقتصار عَلَى الثلاثة في هذه الآية؛ لأن مناط الاستدلال هُوَ التغير وهذه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة. قال بعضهم الآيات الْمَذْكُورة في سورة البقرة ثمانية
أنواع وذكر هاهنا ثلاثة. فوجه الاقتصار عَلَى هذه الثلاثة من تلك الثمانية الإشَارَة إلَى أن الآيات عَلَى
كثرتها غاية الكثرة منحصرة في ثلاثة أقسام. لأنها إما سماوية أو أرضية أو مركبة من السماوية
والْأَرْضية فأَشَارَ إلَى الآيات السماوية بقوله: (في خلق السَّمَاوَات) وإلى
الْأَرْضية بقوله: (والْأَرْض) ، وإلى المركبة بقوله (واخْتلَاف الليل والنهار)
لأن تحقيقهما بسَبَب دوران الشمس عَلَى الْأَرْض ثم لما فرغ [من] ذكر آيات
الربوبية شرع في بيان العُبُوديَّة، ولما كان الْإنْسَان مركبا من النفس والبدن فالعبودية إما بحسب
النفس أو بحسب البدن فأشار إلَى عُبُوديَّة البدن بقوله:(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِمْ)فإن ذلك لا يتم إلا باسْتعْمَال الجوارح والأعضاء، وأَشَارَ إلَى عُبُوديَّة
القلب والروح بقوله: (ويتفكرون في خلق السَّمَاوَات والْأَرْض) وإنما خصص
الشكر بالخلق لقوله عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق"وإنما نهى
عن التفكر في الخالق لأن معرفة حقيقته الْمَخْصُوصة غير ممكنة للبشر فالفكر فيه ما لا يرجع بطائل.
تم شرع في تعليم الدعاء تنبيهًا عَلَى أن الدعاء إنما يجدي ويستحق الإجابة إذا كان بعد تقدم
الوسيلة وهي إقامة وظائف العبودية من الذكر [والتفكر] فما أحسن هذا الترتيب والذي ذكره المص
رحمه الله وجه آخر في التقسيم وهو حجة للشافعي وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يستلفي لراوية ابن