قوله: (أو يرشدكم إلَى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثكم عَلَى التَّوْبَة) تفسير ثانٍ
ليتوب عليكم. الظَّاهر أن الْمُرَاد بما في ما يمنعكم الآيات الزاجرة عن المعاصي والمناهي
ويلائمه قوله [ويحثكم] عَلَى التَّوْبَة ويحتمل العموم لها ولغيرها ويتوب عليكم ملائم بطَريق
ذكر المسبب وإرادة السبب .
قوله: (أو إلَى ما يكون كفارة لسيئاتكم) تفسير ثالث ليتوب وما يكون سببًا للكفارة
هو الطاعات من المبرات والإرشاد إلَى ما يحث عَلَى التَّوْبَة أو إلَى ما يكون كفارة متحقق
في حق جميع المكلفين فلا إشكال بلزوم تخلف الْمُرَاد عن الإرادة فيمن لم يتب لأن الْمُرَاد
هو الإرشاد لا التَّوْبَة وقبولها، وأما عَلَى الْمَعْنَى الأول فالْمُرَاد ويغفر لكم ذنوبكم إن تبتم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أن الْمُرَاد بالتوب إرشادهم إلَى ما يمنعهم من المعاصي المتوقعة منهم فيما يستقبل بأن يوقع في
قلوبهم مخافة العصيان الزاجرة لهم من الوقوع فعبر عن الإرشاد بالتوب لأن إرادة الرجوع عن
الذنب والْمَغْفرَة والعفو عنه يلزم الإرشاد إلَى ما يمنع العصيان فالتَّعْبير عن الإرشاد بالتوب من باب
التَّعْبير عن المسبب بالسبب واللازم بالملزوم فيكون مَجَازًا. قوله أو إلَى ما يكون كفارة عطف عَلَى
قوله إلَى ما يمنعكم فكلا الْمَعْطُوفين داخل في حيز الإرشاد. قال صاحب الكَشَّاف(ويتوب
عليكم)ويرشدكم إلَى طاعات إن أقمتم بها كانت كفارت لسيئاتكم ترك الوجه
الأول من الوَجْهَيْن اللذين ذكرهما القاضي رحمه اللَّه لأن الْمَغْفرَة بلا مكفر ولا توبة من العبد
ليست من مذهبه ولأن معنى الإرشاد ملائم لما قبله من قوله عز وجل (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ)
قوله: (والله عليم بها) أي بسنن الَّذينَ من قبلكم حكيم بوضعها أي
بوضع تلك السنن والمناهج. قال القاضي عبد الجبار: معنى الآية أنه تَعَالَى كما أراد منا نفس الطاعة
فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها فكَذَلكَ إذا وقع التقصير والتفريط منا فإنه يريد أن يتوب علينا لأن
المكلف قد يطيع فيستحق الثواب وقد يعصي فيستحق فيحتاج إلَى التلاقي بالتوبة. قال الإمام:[وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ إِشْكَالًا: وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ للَّه تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَيْسَ مَخْلُوقًا للَّه تَعَالَى، وَالْآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ. أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: فَلِأَنَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كُلَّ مَا يُرِيدُهُ اللَّه تَعَالَى فَإِنَّهُ يَحْصُلُ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ التَّوْبَةُ لِكُلِّنَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: فَهُوَ تَعَالَى يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَتُوبَ بِاخْتِيَارِنَا وَفِعْلِنَا، وَقَوْلُهُ: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ظَاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ التَّوْبَةَ فِينَا وَيَحْصُلُ لَنَا هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ مُشْكِلَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ قَوْلَهُ: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ التَّوْبَةَ فِينَا. وَالْعَقْلُ أَيْضًا مُؤَكِّدٌ لَهُ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّدَمِ فِي الْمَاضِي، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالنَّدَمُ وَالْعَزْمُ مِنْ بَابِ الْإِرَادَاتِ، وَالْإِرَادَةُ لَا يُمْكِنُ إِرَادَتُهَا، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَإِذَنِ الْإِرَادَةُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ فِعْلَ الْإِنْسَانِ، فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا النَّدَمَ وَهَذَا الْعَزْمَ لَا يَحْصُلَانِ إِلَّا بِتَخْلِيقِ اللَّه تَعَالَى، فَصَارَ هَذَا الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ مَا أَشْعَرَ بِهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَتُوبُ عَلَيْنَا فَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوْ تَابَ عَلَيْنَا لَحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ:
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ خِطَابٌ مَعَ الْأُمَّةِ، وَقَدْ تَابَ عَلَيْهِمْ فِي نِكَاحِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَسَائِرِ الْمَنْهِيَّاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَحَصَلَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ لَهُمْ فَزَالَ الْإِشْكَالُ واللَّه أَعْلَمُ] .