قوله: (أمر النَّاس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل) أمر النَّاس أي الْمُؤْمنينَ بعدما
أمرهم أي أمر أمراء الْمُسْلمينَ عَلَى وجوب طاعتهم أَشَارَ إلَى أن الأمر للوجوب. قال
صاحب الكَشَّاف: المراد أمراء الحق لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم فلا يعطفون
على الله ورسوله في وجوب الطاعة وإلى هذا أشار الْمُصَنّف بقوله ما داموا عَلَى الحق .
قوله: (تنبيهًا عَلَى أن وجوب طاعتهم ما داموا عَلَى الحق) وجه التَّنْبيه ما أشار إليه من
الأمر بالإطاعة عقيب الأمر بالعدل وكذا تعقيبه بالأمر بالرد إلَى الله ورسوله عند التنازع عَلَى
ما في الكَشَّاف وبهذا البيان يظهر وجه الارتباط [بما] قبله .
قوله:(وقيل علماء الشرع لقَوْله تَعَالَى ولوروده إلَى الرَّسُول وإلَى أولي الأمر منهم
لعلمه الَّذينَ يستنبطونه منهم). وقيل علماء الشرع أي العلماء الربانيون الكاملون في العلم
والعمل ؛ إذ علماء المعقول بمعزل عن ذلك، وَأَيْضًا علماء الشرع الغير العاملين فهم في خيبة
نفسه وحسرة قلبه وكدر روحه ولم يشكر في سعيه، وإنما مرضه لعدم ملائمته لقوله:(فإن
تنازعتم)الآية. كما سيشير إليه الْمُصَنّف ثم نقل بعض المحشيين عن الإمام
أن الْمُرَاد من أولي الأمر مجموع الأمة أي مجموع أهل الحل والعقد وذلك يوجب القطع
بأن إجماع الأمة حجة انتهى. وقول الْمُصَنّف وليس للمقلد أن ينازع المجتهد كالنص في أن
الْمُرَاد بهم المجتهدون ثم إن أريد الاجتهاد بالمذهب يَخْتَصُّ بالأئمة ولا يتناول المقلد وإن
أريد الاجتهاد في المذهب يتناول علماء الدين إلَى يوم الدين (أنتم وأولو الأمر منكم) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل علماء الشرع. عطف عَلَى قوله يريد بهم أمراء الْمُسْلمينَ .
قوله: لقَوْله تَعَالَى ولوروده الخ. وجه الاستدلال به أن استنباط الأحكام إنما هُوَ للعلماء
لا لغيرهم .
قوله: أنتم وأولو الأمر، وإنَّمَا خص التنازع بما وقع بين الْمُسْلمينَ وأولي الأمر ولم يحمل عَلَى ما
وقع بين الْمُسْلمينَ فقط لذكر أولي الأمر في قوله عز وجل: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
فإنه لو كان فيما بين الْمُسْلمينَ فقط لقيل (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [وأولي الأمر]
فيفهم منه أن أمراء الْمُسْلمينَ والخلفاء والقضاة وأمراء السرية معزولون عن الولاية عَلَى تقدير
التنازع في الحق فبطريق الأولى أن يعزلوا عَلَى تقدير مخالفة الحق فالفاء في قوله عز وجل:(فإن
تنازعتم في شيء)متصلة بطاعة أولي الأمر أي أطيعوا أولي الأمر منكم إن لم
تنازعوهم في شيء فإن نازعتم. وفي الكَشَّاف وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له
ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: (وأولي الأمر منكم) قال أليس قد نزعت عنكم إذا
خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ [وَالرَّسُولِ] ) قال
وكَيْفَ يلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك وهو أن
أمرهم أولًا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم أخيرًا بالرجوع إلَى الْكتَاب والسنة فيما