قوله: (فكشف لهم قناع الانغلاق) الفاء لترتب ما بعدها عَلَى ما قبلها؛ إذ البيان
الْمَذْكُور سبب للكف المزبور الكشف إزالة ما يستر الشيء عن المستور به هذا في
المحسوسات ظَاهر والظَّاهر أنه اسْتعَارَة في المعنوي كما فيما نحن فيه القناع بالكسر ما
يستر به الرأس والانغلاق انفعال من غلق الباب إذا سده وضرب عليه ما يمنع فتحه كالقفل
والظَّاهر أن الْإضَافَة من قبيل لجين الماء أي فكشف الانغلاق الذي هُوَ كالقناع في الستر
وصعب الوصول إلَى ما ستره وفي تشبيهه بالقناع دون غيره من الإستار لطف عظيم يعرفه
من له طبع سليم ويحتمل أن يكون اسْتعَارَة مكنية وتخييلية شبه هذا الخفاء بالرأس الذي
هو مستور بالقناع في الخفاء وهذا مكنية وأثبت له ما هُوَ من خواص المشبه به تخييلية وهو
القناع والكشف تَرْشيح له. وقيل شبه الآيات المخزونة بالنفائس تارة وأخرى بمحجبات
العرائس وأثبت للأول الانغلاق وللثانية القناع ففيه استعارتان مكنيتان وتخييليتان وهو وجه
وجه ذكره أهل الْمَعَاني نظيره في قوله تَعَالَى: (جعلناهم حَصيدًا خَامدينَ)
كما في شرح المفتاح وتشبيه الآيات المخزونات بالنفائس مُسْتَفَاد من ذكر الانغلاق، وأما
تشبيهًا بالعرائس فغير مفهوم من ذكر القناع؛ إذ هُوَ ليس من خواص العرائس، إلا أن يقال إنه
من [ملائمتها] بناء عَلَى التبادر وإن لم يكن من خواصها، وَأَيْضًا إضافة أحد التخييلين إلَى
الآخر غير مُتَعَارَف والْمَشْهُور إضَافَته إلَى المشبه حتى يكون قرينة المكنية. وبالْجُمْلَة ما ذكر
لا يخلو عن كدر فتدبر.
قوله:(عن آيات محكمات من أم الْكتَاب وأخر مُتَشَابهَات من رموز الخطاب تأويلًا
وتفسيرًا)المحكم ما أحكمت عبارته بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه والمتشبه لخلافه
فيدخل في المحكم الظَّاهر والنص والمفسر ويدخل في المتشبه ما يخالفه وهو المجمل
والخفي والمشكل كذا بينه المص في أوائل سورة آل عمران قيل وهذا مصطلح الشَّافعي في
أصولهم وعند الْحَنَفيَّة ما زاد وضوحه حتى لا يبقى احتمال النسخ معنى وإن احتمله لفظًا
وتلاوة والمتشابه ما خفي بنفسه فلا يدري أصلا فلا يَشْمَل الْأَقْسَام انتهى. والفصل في فن
الأصول لكن الظَّاهر إن الْمُرَاد بالمحكم والمتشابه ما يَشْمَل الْأَقْسَام كلها اتفاقًا قوله تأويلا
وتفسيرًا والأول ناظر إلَى المُتَشَابهَات والثاني إلَى المحكمات لف ونشر غير مرتب اختار هذا
لرعاية الفاصلة ومعنى التأويل أي تَحْصيل ما له بالنظر والتأمل وهذا في المجمل والخفي
والمشكل، وأما المتشابه المقابل لهذه الْأَقْسَام وهو ما خفي الْمُرَاد [منه] حتى لا يرجى إدراكه
في هذا العالم سوى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومعنى التَّفْسير تبيين الْمَعْنَى الْمُرَاد مستندًا إلَى النقل وهذا في
الْأَقْسَام الأربعة وهي الظَّاهر والنص والمفسر والمحكم عَلَى ما اختاره المص، وأما المتشابه
بمعنى لا يدري أصلا فلا تبيين فيه إلا أن يعم التبيين البيان الذي هُوَ التبليغ لكن قوله تأويلًا
وتفسيرًا يأبى عنه، فالأولى حمل التبيين عَلَى ما سوى المتشابه الْمَذْكُور أو تعميم بيان الْمَعْنَى