قوله: (ملكًا) ولم يقيد بقوله يعاينوه إما للاكتفاء بما سبق أو لأن الرَّسُول لا يكون إلا
معاينًا فلذا لا يكون امرأة كما أشير إليه بقوله رجلًا.
قوله: (لمثلناه) أَشَارَ إلَى أن الجعل بطَريق التمثيل لا بطَريق قلب الْحَقيقَة؛ إذ لا يلائم كونه
جوابًا بل تنتفي الملائمة بين الشرط والْجَزَاء وتوضيح الْمَعْنَى ولو جعلنا الرَّسُول ملكًا بحسب
الحقيقة لجعلناه (رجلًا كما مثل جبْريل) صورة يرشدك إليه قوله (في صورة دحية الكلبي) .
قوله: (فإن الْقُوَّة البشرية لا تقوى عَلَى رؤية الملك في صورته) فيفوت الغرض
والْحكْمَة من إرسال الرسل عليهم السلام فاغتنموا بإرسال الرسل من جنسكم واشكروا الله
تَعَالَى بالغدوة والعشية.
قوله: (وإنَّمَا رآهم كَذَلكَ) قال المص في سورة النجم قيل ما رآه(الأفراد من
الْأَنْبيَاء)في صورته غير مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مرتين مرة في السَّمَاء ومرة في الْأَرْض انتهى. ولعل
كلامه هنا عَلَى قول آخر، أو الْمُرَاد بالملك غير جبْريل عَلَيْهِ السَّلَامُ أو الْمُرَاد بالأفراد نبينا
عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ والجمع [حِينَئِذٍ] للتعظيم كالتَّعْبير عن جبْريل بالْمَلَائكَة [حِينَئِذٍ] قَوْلُه تَعَالَى:(وإذ
قالت الْمَلَائكَة)من سورة آل عمران بقوتهم القدسية.
قوله: (وللبسنا جواب مَحْذُوف أي ولو جعلناه رجلًا للبسنا) يفهم من ظَاهر كلامه أنه
ينتج ولو جعلناه ملكًا للبسنا وليس كَذَلكَ؛ لأن لفظة لو لم تستعمل هنا في الاستدلال بل
هي عَلَى أصلها الغالب من انتفاء الشرط والْجَزَاء، ويحتمل الْكَلَام أَيْضًا أن يكون من قبيل لو
لم يخف الله لم يعصه. يعني لو جعلنا الرَّسُول ملكًا لكان في صورة رجل فَكَيْفَ إذا كان
إنسانًا كذا في المطول. ولو قيل إنه مَعْطُوف عَلَى الْجَوَاب مبنيًا عَلَى الْجَوَاب الأول لم يبعد
لكن يؤول إلَى ما ذهب إليه المص كقوله إن رجع الأمير استأذنت وخرجت عطف عَلَى
استأذنت وما له كلامان أي إن رجع الأمير استأذنت وإذا استأذنت خرجت.
قوله: (أي لخلطنا عليهم ما يخلطون عَلَى أنفسهم حِينَئِذٍ) أي حين الجعل فيلبسون
اسْتقْبَال تقديري موقت بحين جعل الرَّسُول ملكًا صرح به العلامة التفتازاني وقد جوز أن
يكون الْمَعْنَى وللبسنا أي خلفنا اللبس والاشتباه عليهم حِينَئِذٍ مثل ما يلبسون عَلَى أنفسهم
الآن في كفرهم بآيات الله فيكون يلبسون حالًا تحقيقيًا بتقدير مضاف، والتَّعْبير عن خلق
اللبس باللبس للمشاكلة فاتضح الفرق بين إسناد اللبس إليه تَعَالَى وبين إسناده إليهم، وأما
قول البعض والتَّعْبير عن تمثيله تَعَالَى رجلًا باللبس فظاهره ليس بتام؛ إذ اللبس مترتب عَلَى
تمثيله رجلا إلا عينه.
قوله: (فيقولونًا ما هذا إلا بشر مثلكم) هذا الْقَوْل منهم نتيجة
لبسهم، ولعل هذا مراد من قال بيان لكل من للبسنا ولبسهم عَلَى الأول وللبسنا فقط عَلَى
الثاني من قال وللبسهم فقط فقد سهى فتدبر انتهى. والْقَوْل غير اللبس تأمل(وَقُرئَ لبسنا
بلام وللبسنا بالتشديد للمُبَالَغَة).