سكت به لعجزه عن الْجَوَاب عنه، وهنا الإلزام بعدم جواب غير جواب للَّه أشار إليه بقوله
بحَيْثُ لا يمكنهم أن يذكروا غيره فكأنهم عجزوا عن الْجَوَاب الملائم لمذاقهم وإن لم
يعجزوا عن الْجَوَاب بقولهم للَّه، وفي كلامه إشَارَة إلَى جميع ما ذكرناه(قل لمن ما في
السَّمَاوَات والْأَرْض)أعيد الأمر اهتمامًا لشأنه، والْمُرَاد بـ (ما) ما يعم العقلاء
أَيْضًا، والْمُرَاد بما فيهما ما وجد فيهما داخلًا في حقيقتهما أو خارجًا عنهما متمكنًا فيهما فهو
أبلغ من قوله قل لمن السَّمَاوَات والْأَرْض وما فيهن خلقًا وملكًا وهو سؤال تبكيت .
قوله: (تقرير) أي تثبيت (لهم) عَلَى جوابهم لأنهم إذا سألتهم يضطرهم إلَى الْجَوَاب
بقولهم للَّه فقل للَّه [تثبيتًا] لهم عليها فظهر كون هذا السؤال تبكيتًا لهم .
قوله: (وتنبيه عَلَى أنه المتعين للجواب بالاتفاق) كما نطق به قَوْلُه تَعَالَى:(ولئن
سألتهم من خلق)الآية. وأما الدهرية فشرذمة قليلة لا يعد من عداد العقلاء(بحَيْثُ لا يمكنهم
أن يذكروا غيره) (كتب عَلَى نفسه الرحمة) هذه الْجُمْلَة داخلة تحت الأمر
الظَّاهر أن الْمُرَاد بالنفس الذات ففيه دلالة عَلَى إطلاق النفس عليه بدون مشاكلة، ونقل عنه
قدس سره أنه ذكر في شرح المفتاح أن النفس لا تطلق عليه تَعَالَى إلا للمشاكلة وإن أريد به
الذات انتهى. ويشكل بمثل هذه الآية. واعتبار المشاكلة التقديرية في مثل هذه الآية بعيد. وقيل
النفس مختصة بذات الحيوان، وهذا ضعيف فالصواب أنه بمعنى الذات مُطْلَقًا .
قوله: (التزمها) مفهوم من كتب مع عَلَى .
قوله: (تفضلًا) لا كما زعم المعتزلة من الوجوب عليه تَعَالَى تحقيقًا لا تأويلًا (وإحسانًا) .
قوله: (والْمُرَاد بالرحمة) أي الإحسان وإرادة الخير (ما يعم الدارين) إذ لا دليل عَلَى
الخصوص .
قوله: (ومن ذلك الهداية إلَى معرفته) أي الدلالة لا خلق الاهتداء يرشدك إليه قوله
بنصب الأدلة .
قوله: (والعلم بتوحيده) أي التصديق بوحدانيته بالكنه، ولذا اختار العلم هنا ولما لم
تتحقق معرفة ذاته بالكنه سواء كان ممتنعًا أو لا اختار المعرفة هناك .
قوله: (بنصب الأدلة) أي مثلًا ؛ إذ خلق العقل والقوى أَيْضًا من الهداية(وإنزال
الكتب)وكذا إرسال الرسل .
قوله: (والإمهال عَلَى الكفر) وعلى العصيان أَيْضًا وفيه إشارة إلَى أن قوله كتب الآية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
-صلى الله عليه وسلم - بأن يسألهم لمن ما في السَّمَاوَات والْأَرْض ثم أمره بأن أجاب بقوله لله وهذا تقرير لهم أي إلزام
لهم بالإقرار لأنه لا محيص لهم عن هذا الْقَوْل. قال الإمام لما كان آثار الحدوث والإمكان ظاهرة
في جميع الأجسام وصفاتها كان الاعتراف بأنها بأسرها لله وملك له ومحل تصرفه وقدرته لازمًا
على كل عاقل لا سبيل له إلَى إنكاره أصلًا، فلهذا أمر بالسؤال ثم بالْجَوَاب تنبيهًا عَلَى أن الْجَوَاب
قد بلغ في [الظُّهُورِ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْكَارِهِ مُنْكِرٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ دَافِعٌ] .