قوله: (أي في اليوم أو الجمع) فالْمَعْنَى لا يَنْبَغي أن يرتاب فيه لوضوح برهانه فلا
إشكال بأن المرتابين كثيرون.
قوله: (بتضييع رأس مالهم. وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم) وفيه إشَارَة إلَى أن في
خسروا اسْتعَارَة تبعية قد مَرَّ تَوضيحُهُا مرارًا لا سيما في قَوْله تَعَالَى: (فَمَا رَبحَتْ تجَارَتُهُمْ)
والحاصل أن الْمُرَاد بالرأس هنا الفطرة السليمة والعقل السليم وتضييعه إبطاله
بالانهماك في التقليد والإصرار عَلَى الكفر والمعاصي، ولا يقال إنه يندفع فلا الإشكال بأن
الخسران مرتب عَلَى عدم الإيمان، وقد عكس في النظم فلما فسر الخسران بعدم الفطرة
والعقل اندفع المحذور وظهر الترتيب الْمَذْكُور لأن تضييع رأس مالهم إنما هُوَ باختيار الكفر
ولا يتصور ذلك بغير ذلك ومجرد النظر إلَى المفهوم أي مفهوم تضييع رأس مالهم بدون
ملاحظة ما صدق عليه لا يفيد، أَلَا [تَرَى] أنه فسر الخسران في مَوْضع آخر بهذا مع عدم ترتب
عدم الإيمان عليه وستجيء الإشَارَة إلَى ذلك من المص في قَوْله تَعَالَى: (فهم لا يُؤْمنُونَ)
أو منشأ الإشكال هذا الْقَوْل لكن الزَّمَخْشَريّ أورد هذا الإشكال مع جوابه في
قوله: (الَّذينَ خسروا) وأرباب الحواشي يقتفون أثره وأطنبوا الْكَلَام مع عدم وضوح المرام
فالأحسن ترك قوله بتضييع رأس مالهم لأنه يدل عَلَى أن المص لم يحمل الخسران عَلَى
الخسران اللازم ؛ إذ التضييع متعد فاندفع وهم من حمل كلامه عَلَى خلافه .
قوله: (ومَوْضع الَّذينَ نصب عَلَى الذم) وهو الراجح لأن الذم صريح فيه أي أذم
وتقدير أريد أو أعني ضعيف .
قوله: (أو رفع عَلَى الخبر) لمبتدأ مَحْذُوف كما قال (أي أنتم الَّذينَ) وهذا لدلالته
على الدوام أأكد لكنه أخَّره لما ذكرنا قدر ضمير الخطاب لأن ما قبله خطاب للكفار قوله:
(خَسرُوا أَنْفُسَهُمْ) لمراعاة الموصول لأنه غائب والضَّمير الراجع إليه ضمير
الغائب والظَّاهر أنتم بلا واو لكنه لتحسين اللَّفْظ أتى بالواو ولم يلتفت إلَى كونه بدلًا من
ضمير لَيَجْمَعَنَّكُمْ لأن إبدال الظَّاهر من ضمير الخطاب بدل الكل غير جائز خلافًا للأخفش
لكنه لا يعبأ به، والْقَوْل بأن لَيَجْمَعَنَّكُمْ صالح لمخاطبة النَّاس كافة وإبدال الَّذينَ خسروا
خصه للبعض فهو بدل البعض من الكل بعيد لأن فيه تفكيك النظم والذي غره قوله وإنعامه
عليكم لأنه بظاهره يقتضي أن يكون الخطاب عامًا للْمُؤْمنينَ بعد كونه خاصًا للكافرين وقد
عرفت أن معناه وإنعامه عليكم إن تبتم وآمنتم بل هُوَ كما مَرَّ إما منصوب عَلَى الذم أو رفع
على الخبر عَلَى القطع فيكون حذف المبتدأ واجبًا ولا يلزم أن يكون كل نعت مقطوع يصح
اتباعه نعتًا بل يكفي فيه أن يوجد معنى الوصف. قال المص في سورة الهمزة(الذي جمع
مالا)بدل من كل أو ذم منصوب أو مرفوع وهذا وإن لم يكن مَشْهُورًا لكنه
اعتبر في مقام الذم ؛ إذ مجرد التقدير لا يفيد المدح أو الذم بدون القطع .
قوله: (أو عَلَى الابتداء والخبر) أخره مع أن فيه السلامة من الحذف لما مرَّ من أن
الحذف يفيد الذم أو خسرانهم غير معلوم بعد فالْمُنَاسب كونه خبرًا لا مبتدأ.