مُطْلَقًا) لأنه فهم منه أنك يكذبونك قومك، وقد صرح به في مَوْضع آخر وهي(وَإِنْ [يُكَذِّبُوكَ]
فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) فهذا إثبات التَّكْذيب له عليه السلام والنفي هنا ليس مُطْلَقًا بل
النفي المقيد بالْحَقيقَة كما مَرَّ والْإثْبَات بحسب الظَّاهر فلا تناقض لأن موردهما مغاير .
قوله: (عَلَى تَكْذيبهم) أي أن (ما) مصدرية وإيذائهم إشَارَة إلَى أن أوذوا عطف عَلَى
كذبوا فانسبك منه مصدر أَيْضًا والمصدران مبنيان للمَفْعُول، والْمُرَاد بالإيذاء ما يقارن
التَّكْذيب من فنون الإيذاء كالخنق ورمي الحجارة ونحوهما، ولا يناسب أن يراد به عين
تَكْذيبهم لأنه مع احتياجه إلَى التمحل في العطف يفوت به المدح بالصبر عَلَى الأمر
بالاقتداء بذلك، ولم يصرح ما به الإيذاء إما لكثرة أنواعه أو لاستهجان التصريح به، ثم في
كلام المص إشَارَة إلَى مرجوحية كون وأوذوا عطفًا عَلَى صبروا أو عَلَى كذبت أو كونه
مستأنفًا كما ذهب إليها بعضهم .
قوله: (وإيذائهم) مصدر بصيغَة الإفعال أثبته الرَّاغب وصاحب المصباح المنير، وقوله
في القاموس يقال أذاه أذى ولا تقل إيذاء خطأ كذا قيل.
قوله: (فتأس بهم واصبر) إشَارَة إلَى أن الغرض من نقل القصة الحث عَلَى التأسي
والصبر عَلَى التأذي (حَتَّى [أَتاهُمْ] ) غاية للصبر ولا يبعد أن يكون غاية للتكذيب والإيذاء وفي
أَتاهُمْ اسْتعَارَة تبعية (نصرنا) أي نصرتنا الرسل عليهم السلام، واختيار نون العظمة تنبيهًا عَلَى
عظم النصرة وأنه لا مرد له .
قوله: (فيه إيماء بوعد النصر) هذا كالتصريح من المص أنه غاية للصبر .
قوله: (للصابرين) إذ النصر لما كان غاية للصبر وأن لا مدخل لخصوصية الذات
أشير إلَى وعد النصر لجميع الصابرين عَلَى أذى الْمُشْركينَ والفاسقين لتحقق علة النصرة
فيهم أَجْمَعينَ (ولا مبدل لكلمات الله) الآية. جملة معترضة مقررة لما قبلها
من إتيان نصره إياه ؛ إذ لا راد لما قضاه. جمع الكلمات هنا لا يحتاج إلَى البيان لتعددها في
نفسها وإن كان انتظامها في معنى واحد وهو السر في إفراد الكلمة في قَوْله تَعَالَى:(ولقد
سبقت كلمتنا)الآية. كما بين المص هناك وفي هذه الآية والآيات
السابقة الدَّالَّة عَلَى المواعيد دلالة عَلَى أنه تَعَالَى (لا ينصر الْكَافرينَ) وإن كانوا في
صورة الغالبين استدراجًا لهم وابتلاء للْمُؤْمنينَ . نص عليه المص في قَوْله تَعَالَى:
(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) .
قوله: (لمواعيده من قوله:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ)
الآيات) الْمُرَاد المواعيد السابقة للرسل عليهم السلام بعلاقة الدالية ؛ إذ المفيد عدم تبدل
المواعيد لا الآيات الدَّالَّة عليها (ولقد جاءك) الآية. وإنَّمَا صدر بالقسم مُبَالَغَة
في تحقيق مجيء النبأ، والغرض من تلك المُبَالَغَة إما لتأكيد وعد النصر أو لتقرير إيذاء