المجلس الذي يحضر فيه أشراف قريش وتشريفهم بإنزال الآية الناطقة بالنهي عن طردهم
فهذا بلاء عظيم ولذلك عبر عنه بصيغة التَّفْخيم، والزَّمَخْشَريّ جعله من قبيل قولك: ضربته
كَذَلكَ. أي هذا الضرب الْمَخْصُوص فجعل ذلك إشارة إلَى الفتن الْمَذْكُورة بعده ولم يجعله
إشَارَة إلَى الفتن الْمَذْكُورة قبله، والمص قد اختار ذلك في بعض المواضع فـ [حِينَئِذٍ] يكون الكاف
في كَذَلكَ للغيبة أي الكاف بمعنى المثل فيكون كناية عن نفسه كقوله: مثلك لا يبخل. أي
أنت لا تبخل والكناية أبلغ ومن هذا اختاره صاحب الكَشَّاف فلا يلزم منه تشبيه الشيء
بنفسه، ومن قال إن الكاف مقحمة وصلة لعله أراد به أنه يعطى معنى وذلك فتنا بعضهم
ببعض غير أنه آكد لما ذكرناه من أنه كناية عن نفسه وهي أبلغ من التصريح، وإلى ما ذكرناه
أشار المص في قَوْله تَعَالَى: (لَيْسَ كَمثْله شَيْءٌ) الآية. وأمثاله كثيرة. ولم
يذهب إليه المص مع أن فيه مُبَالَغَة لكونه كناية لأن قَوْلُه تَعَالَى: (لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ)
الآية. يصلح أن يكون مشبهًا بالفتن الْمَذْكُورة قبله المَفْهُومَة من قَوْلُه تَعَالَى:
(ولا تطرد الَّذينَ يدعون) الآية. فمهما أمكن التشبيه الحقيقي لا يصار إلَى
غيره. كأن صاحب الكَشَّاف نظر إلَى أن الفتن ليست بمذكورة فيما قبله صريحًا لكن لا يجب
ذلك بل الواجب المفهومية ولو التزامًا، فنظر العلامة أدق ونظر المص بالقبول أحق .
قوله: (أي أهَؤُلَاء من أنعم الله عليهم) أَشَارَ إلَى أن (مَنَّ) بمعنى أنعم قوله(بالهداية
والتوفيق لما يسعدهم)بيان ما هُوَ الْمُرَاد بالنعم التي دل عليها أنعم الله دلالة تضمنية والهداية
بمعنى خلق الاهتداء والإيصال إلَى المطلوب، ولذا عطف عليها التوفيق فإن هذه هي النعمة
الْمَخْصُوصة من بينهم، وأتى بـ مَنْ الموصولة إشَارَة إلَى أن إنكارهم إنما هُوَ لوصفهم بذلك
وجعله سمة لهم لعدم اعترافهم بذلك واعتقادهم أنهم ليسوا متنعمين، فإن ما هُوَ حاصل لهم
لو كان نعمة لكانت لنا دونهم، ولفظة من إذا لم يذكر لا يخل بالْمَعْنَى ولذا لم يذكر في النظم
الجليل لكنها ذكرها المص توضيحًا لحاصل الْمَعْنَى ولم يرد أنه مقدر في الْكَلَام لأن حذف
الموصول وإبقاء صلته غير مُتَعَارَف فإن جوزه بعض النحاة كما نقل عن الدر المصون .
قوله: (دوننا ونحن الأبر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء) الحصر مُسْتَفَاد من
قولهم من بينا لا من شيء آخر. قوله(وهو إنكار لأن يخص هَؤُلَاء من بينهم بإصابة الحق
والسبق إلَى الخير)يؤيد ما ذكرناه من أن الْمَعْنَى عَلَى إنكار أن يكُونُوا مختصين بالتوفيق
للحق دونهم مع أن العكس أولى بذلك أشاروا بقولهم ونحن الأكابر الخ. القصر نظرهم
في الأمور المحقرة وهي الزخارف الدنيوية ولم يتفطنوا أن التوفيق نعمة روحانية تقتضي
كمالات روحانية، وإلى هذا أشار تَعَالَى بقوله: (أليس الله بأعلم بالشاكرين)
(كقولهم:(لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) .
قوله: (واللام للعاقبة أو للتعليل عَلَى أن(فتنا) متضمن معنى خذلنا) فيكون اسْتعَارَة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو للتعليل عَلَى أن (فتنا) متضمن معنى خدلنا. علل كون اللام للتعليل بصرف معنى الفتنة