الثقلين كما أشرنا إليه (إذا علم أن أعماله تكتب عليه) [أو له] كان أزجر عن المعاصي وأحث
على المعالي، ثم الظَّاهر أن الْأَعْمَال تعم فعل القلب واللسان كما تعم عمل الأركان وأنها
شاملة للتروك أَيْضًا ؛ إذ ترك الطاعات من الكبائر (و) مما (تعرض عَلَى رءوس الأشهاد) .
قوله: (كان أزجر عن المعاصي وأن العبد إذا وثق بلطف سيده) عطف عَلَى أن
المكلف ومن جملة الْحكْمَة .
قوله: (واعتمد عَلَى عفوه وستره لم يحتشم منه) أي لم [يستحِ] منه من السيد .
قوله: (احتشامه) أي كاستحياته .
قوله: (من خدمه) أي من خدم سيده أو من خدم نفسه .
قوله: (المتطلعين) أي المطلعين (عليه) أي عَلَى العبد وأحواله فالعبد المكلف
استحيا من الملائكة الواقفين عَلَى معاصيهم واعتمد عَلَى ستر مولاه وعفوه، فإرسال الْمَلَائكَة
الحفظة عليهم كان أزجر عن المعاصي، وبهذا تبين أن قوله وأن العبد الخ. كالدليل لما قبله
(حتى إذا جاء) (حتى) ابتدائية ومع هذا يجعل ما بعدها من الْجُمْلَة الشرطية غاية لما قبلها فإن
إرسال الحفظة ينتهي بوفت مجيء أسباب الموت وعند الموت ؛ إذ بقاؤه مدة حياة المكلفين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لم يحتشم منه احتشامه في خدمة المتطلعين عليه. أي لم [يستحِ] العبد من شده
استحياءه في [ملإٍ] متطلعين عليه، وفي الحشمة قولان. أحدهما: أنها هي الاستحياء والآخر الغضب.
والْمُرَاد منها هَاهُنَا معنى الاستحياء. هذا الذي ذكر في تفسير الآية ما عليه[أَهَلُّ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الْحِكْمَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقَهْرِ أَنَّهُ خَلَطَ الطَّبَائِعَ الْمُتَضَادَّةَ وَمَزَجَ بَيْنَ الْعَنَاصِرِ الْمُتَنَافِرَةِ، فَلَمَّا حَصَلَ بَيْنَهَا امْتِزَاجٌ اسْتَعَدَّ ذَلِكَ الْمُمْتَزِجُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِامْتِزَاجِ لِقَبُولِ النَّفْسِ الْمُدَبِّرَةِ وَالْقُوَى الْحِسِّيَّةِ وَالْحَرَكِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةِ فَقَالُوا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) تِلْكَ النُّفُوسُ وَالْقُوَى، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْفَظُ تِلْكَ الطَّبَائِعَ الْمَقْهُورَةَ عَلَى امْتِزَاجَاتِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْقُدَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْأَرْوَاحَ الْإِنْسَانِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِجَوَاهِرِهَا مُتَبَايِنَةٌ، بِمَاهِيَّاتِهَا، فَبَعْضُهَا خَيِّرَةٌ وَبَعْضُهَا شِرِّيرَةٌ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالنَّذَالَةِ وَالشَّرَفِ وَالدَّنَاءَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ السُّفْلِيَّةِ رُوحٌ سَمَاوِيٌّ هُوَ لَهَا كَالْأَبِ الشَّفِيقِ وَالسَّيِّدِ الرَّحِيمِ يُعِينُهَا عَلَى مُهِمَّاتِهَا فِي يَقَظَاتِهَا وَمَنَامَاتِهَا تَارَةً عَلَى سَبِيلِ الرُّؤْيَا، وَأُخْرَى عَلَى سَبِيلِ الْإِلْهَامَاتِ فَالْأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ لَهَا مَبَادِئُ مِنْ عَالَمِ الْأَفْلَاكِ، وَكَذَا الْأَرْوَاحُ الْخَيِّرَةُ وَتِلْكَ الْمَبَادِئُ تُسَمَّى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تِلْكَ الْأَرْوَاحَ الْفَلَكِيَّةَ فِي تِلْكَ الطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاقِ تَامَّةٌ كَامِلَةٌ، وَهَذِهِ الْأَرْوَاحَ السُّفْلِيَّةَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْهَا أَضْعَفُ مِنْهَا لِأَنَّ الْمَعْلُولَ فِي كُلِّ بَابٍ أَضْعَفُ مِنْ عِلَّتِهِ وَلِأَصْحَابِ الطَّلْسَمَاتِ وَالْعَزَائِمِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ كَلَامٌ كَثِيرٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: النَّفْسُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَذَا الْجَسَدِ. لَا شَكَّ فِي أَنَّ النُّفُوسَ الْمُفَارِقَةَ عَنِ الْأَجْسَادِ لَمَّا كَانَتْ مُسَاوِيَةً لِهَذِهِ فِي الطَّبِيعَةِ وَالْمَاهِيَّةِ فَتِلْكَ النُّفُوسُ الْمُفَارِقَةُ تَمِيلُ إِلَى هَذِهِ النَّفْسِ بِسَبَبِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُوَافَقَةِ وَهِيَ أَيْضًا تَتَعَلَّقُ بِوَجْهٍ مَا بِهَذَا الْبَدَنِ وَتَصِيرُ مُعَاوَنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ طَبِيعَتِهَا فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الَّذِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الْحَقَّةُ بِهِ لَيْسَ لِلْفَلَاسِفَةِ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْهَا لِأَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ أَقَرُّوا بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانَ إِصْرَارُ الْجُهَّالِ مِنْهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بَاطِلًا] .