قوله: (ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى) هذا مفهوم من الاستدراك لأنه استدراك من
نفي الوجود أن يذكروهم ذكرى فيه تنبيه عَلَى أن ذكرى هنا بمعنى التذكير فإنه الْمُنَاسب هنا
بخلاف ما مَرَّ فإنه بمعنى التذكر كما أوضحناه.
قوله: (ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح) عمم التذكير مع أن المقام يناسبه
التَّخْصِيص بالخوض؛ إذ النهي عن المنكر عام غير خاص بشيء وإن كان في وقت منكر
معين كالخوض هنا فإن وقت الخوض كما يجب النهي عن غيره إذا تحقق فمثل هذا
التعميم ليس باستطراد.
قوله: (ويظهروا كراهتها) إذ تمام الذكرى به حتى لم يكُونُوا من الَّذينَ ينهون النَّاس
عن المنكر وينسون أنفسهم.
قوله: (وهو يحتمل النصب عَلَى المصدر) المؤكد للفعل الْمَحْذُوف وهو مع معموله
مبتدأ للخبر الْمَحْذُوف وهو عليهم، كَمَا صَرَّحَ به.
قوله: (والرفع عَلَى) أنه مبتدأ مَحْذُوف الخبر لكنه مرجوح، فلذا أشار المص إلَى
الأول فقط في توضيح الْمَعْنَى، وإنَّمَا رجحه مع أن فيه تكثير الحذف؛ إذ الأصل في المصدر
الْمَفْعُول المطلق (ولكن عليهم ذكرى، ولا يجوز عطفه عَلَى محل من شيء) .
قوله: (لأن من حسابهم) بيان من شيء، والذكرى ليس من جنس حسابهم (يأباه) لأنه
حال من شيء لأنه فاعل و (من) زائدة قدم عليه للاهتمام فصار قيدًا للعامل منسحبًا لجميع
معمولاته ما لم يوجد صارف عنه فإذا عطف الذكرى عليه كانت جهة القيد معتبرة فيه
بشهادة الاسْتعْمَال في عطف المفرد عَلَى المفرد لا سيما بحرف الاستدراك، والسر أن تقديم
القيد يدل عَلَى أنه أمر مسلم مما يَنْبَغي أن يهتم بشأنه فينسحب لجميع معمولات العامل
غير مختص بالْمَعْطُوف عليه، ولا يدعي المص أن القيود المعتبرة في الْمَعْطُوف عليه معتبرة
دائمًا في الْمَعْطُوف حتى يقال إنه ليس بلازم، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلُه تَعَالَى(إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)فإن قيد إذا جاء أجلهم غير معتبر في
الْمَعْطُوف لعدم استقامة الْمَعْنَى وهذا ضعيف. أما أولًا فلأن الْكَلَام في عطف المفرد عَلَى
المفرد لما مَرَّ من أنه قيد للعامل منسحب لجميع معمولاته وأما ثانيًا فلأنه ليس بمَعْطُوف
على (لا يستأخرون) بل هي جملة مستأنفة (ولا عَلَى شيء لذلك) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولا يجوز عطفه عَلَى محل من شيء؛ لأن من حسابهم يأباه. ووجه الإباء أن من
حسابهم حال والحال قيد العامل تقديره شيء من حسابهم، فيكون شيء مقيدًا بقيد حسابيم فلو
عطف عليه ذكرى لكان الذكرى أَيْضًا مقيدًا بأنها من حسابهم، وليس كَذَلكَ. وهذا مبني عَلَى أن
يجب كون الْمَعْطُوف عَلَى المقيد بقيد مقيدًا بذلك القيد أَيْضًا بحكم العطف، وفيه زيادة كلام في
سورة التَّوْبَة في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) .