الشرائع فـ [حِينَئِذٍ] الهدى بمعنى الْمَفْعُول والْإضَافَة للتَشْريف ولاخْتصَاصه به تَعَالَى من جهة
الوضع والجعل (يَهْدي به) أي بالْهُدَى الكائن بالْمَعْنَى المصدري، فالظَّاهر أنه بطريق
الاسْتخْدَام إذ الْمُرَاد بظَاهر الْمَعْنَى الْمَفْعُول ولا يبعد أن تكون الباء بمعنى إلَى. أي يَهْدي
إليه إلَى ما دانوا به.
قوله: (دليل عَلَى أنه متفضل بالهداية) إذ ربط هدايته إلَى مشيئته وأنه تَعَالَى مختار في
مشيئته ولا يلزم خصوص المشيئة لذاته ولو كانت الهداية باستحقاق من العبد لكان وقوعه
بطريق الاستدعاء لا بطَريق الاختيار، ومعلوم أن إثبات الحكم عَلَى الْمَوْصُوف بالمُشْتَق يفيد
علية المأخذ.
قوله: (أي ولو أشرك هَؤُلَاء) يعني أن المرجع هَؤُلَاء (الْأَنْبيَاء) لا الآباء والذريات إذ
التحريض عَلَى وجه المُبَالَغَة إنما يحصل بذلك.
قوله: (مع فضلهم) لو جعل حالًا من فاعل أشركوا لكان الْمَعْنَى ولو أشركوا حال
فضلهم لكانوا في تلك الحال محبوطي العمل (وعلو شأنهم) .
قوله: (لكانوا كثيرهم) ولا تغني تلك الحال عنهم شَيْئًا ولو جعل حالًا من فاعل
كانوا لكان الْمَعْنَى واضحًا، ومن هذا قيل لو أخر مع فضلهم عن قوله لحبط لكان أولى لكن
مختار المص أَيْضًا موجه كما عرفته.
قوله: (في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها) لعل هذا القيد للإشَارَة إلَى أن معنى الحبط
ليس بطلان ذات الْأَعْمَال بل بطلانها من حَيْثُ سقوط الثواب.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ قَالَ بَعْدَهَا: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْهِدَايَةَ كَانَتْ جَزَاءَ الْمُحْسِنِينَ عَلَى إِحْسَانِهِمْ وَجَزَاءُ الْمُحْسِنِ عَلَى إِحْسَانِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا الثَّوَابَ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ هُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى الْجَنَّةِ. فَأَمَّا الْإِرْشَادُ إِلَى الدِّينِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْرِفَةِ فِي قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ جَزَاءً لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَأَيْضًا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ هُوَ الْهِدَايَةُ إِلَى الدِّينِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كَانَ جَزَاءً عَلَى الْإِحْسَانِ الصَّادِرِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا فِي طَلَبِ الْحَقِّ، فاللَّه تَعَالَى جَازَاهُمْ عَلَى حُسْنِ طَلَبِهِمْ بِإِيصَالِهِمْ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا].
إلَى هنا كلامه والذي اختاره المص
بقوله إشَارَة إلَى ما دانوا به هُوَ [هذا] الوجه الأخير الذي ذكره الإمام بقوله، وَأَيْضًا لا يبعد وذكر
الإمام) وجهًا ثالثًا وهو أن يكون[الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ: الْإِرْشَادُ إِلَى النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، لِأَنَّ الْهِدَايَةَ الْمَخْصُوصَةَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْسَتْ إِلَّا ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ: (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الرِّسَالَةُ جَزَاءً عَلَى عَمَلٍ، وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ بَاطِلٌ.
قُلْنَا: يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) عَلَى الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ وَالْكَرَامَةُ، فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ] .
ولو قيل الإشكال باقٍ لأن التشبيه في كَذَلكَ يشعر بكون
الرسالة جزاء عَلَى عمل لأن الْمَعْنَى حِينَئِذٍ ومثل ذلك الْجَزَاء نجزي المحسنين. قلنا بل الْمَعْنَى
كما أرشدناهم إلَى النبوة في الدُّنْيَا نجزيهم عَلَى أعمالهم الحسنة في الْآخرَة عَلَى أن الْمُحْسِنِينَ
مظهر موضوع مَوْضع الضَّمير تسجيلًا لهم عَلَى أنهم محسنون.