كلامهم متعلق بقوله والقائلون هم الْيَهُود. وجه الدلالة هُوَ أن الخطاب في (تجعلونه) الخ. لهم
إذ لا ريب في أن الجاعلين [التَّوْرَاة] قراطيس هم الْيَهُود. قوله (قَالُوا ذلك مُبَالَغَة) إشَارَة إلَى
جواب إشكال بأنهم كَيْفَ يقولون ذلك مع أنهم يعترفون بأن التَّوْرَاة أنزلها الله تَعَالَى عَلَى
مُوسَى، فأجاب بذلك أي مرادهم المُبَالَغَة في إنكار الْقُرْآن لا إنكار الْإنْزَال بالمرة(في إنكار
إنزال الْقُرْآن بدليل نقض كلامهم وإلزامهم بقوله).
قوله: (وقراءة الْجُمْهُور بالتاء) عطف عَلَى قوله نقض كلامهم عطف العلة عَلَى
المعلول فإنها تدل عَلَى أن المخاطبين هم الْيَهُود وكون هذا نقضًا ظاهر، وأما الإلزام فبأنه لما
أنزل الله تَعَالَى التَّوْرَاة عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ من البشر كما اعترفتم به، فلم لا يجوز إنزاله
الْقُرْآن عَلَى مُحَمَّد؟ كأنهم استبعدوا إنزال الكتب عَلَى البشر أو جعلوه ممتنعًا أُلزموا بذلك.
قوله: (وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملًا على قالوا، وما قدروا) فاختيار
الغيبة تبعيدًا لهم عن ساحة الخطاب، وقراءة الخطاب لمزيد التوبيخ بالْمُوَاجَهَة وقراءة
الخطاب هُوَ الملائم لقوله (قل) فإن معناه قل لهم، فيقتضي الخطاب فتكون قراءة الغيبة
التفاتًا، كَمَا صَرَّحَ به بعضهم، لكن الظَّاهر أن كونه التفاتًا عَلَى مسلك السكاكي دون
مذهب الْجُمْهُور، وَأَيْضًا قراءة الغيبة لا تخرج الْكَلَام عن الاستدلال لما عرفته من أن
الجاعلين قراطيس هم الْيَهُود ولا مدخل للخطاب في الاستدلال. غاية الأمر أنه أظهر في
الاستدلال لدلالتها بالْمَعْنَى والصيغة وفيه ما فيه.
قوله: (وتضمين ذلك) عطف عَلَى قوله نقض كلامهم، أو عَلَى قراءة الْجُمْهُور فهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
عليك شَيْئًا ألبتة ولست رَسُولًا من قبل الله ألبتة فعند هذا الْكَلَام نزلت هذه الآية. وأما اندفاع الشبهة
على الاحتمال الثاني[فبِأَنَّ كَفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
وَكَانُوا قَدْ سَمِعُوا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاتُرِ ظُهُورَ الْمُعْجِزَاتِ الْقَاهِرَةِ عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ
السَّلَامُ مِثْلَ انْقِلَابِ الْعَصَا ثُعْبَانًا، وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَإِظْلَالِ الْجَبَلِ وَغَيْرِهَا وَالْكَفَّارُ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نُبُوَّةِ
مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَكَانُوا يَقُولُونَ لَوْ جئتنا بأمثال هذه المعجزات لآمنا بِكَ، فَكَانَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ
جَارِيًا مَجْرَى مَا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرَافَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ
إِيرَادُ نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلْزَامًا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) ]. فقوله فيما بعد. وقيل هم
المشركون عطف عَلَى قوله: (والقائلون هم الْيَهُود) .
قوله: حملًا عَلَى قَالُوا، فعلى هذا لا يكون التفاتًا، وإنَّمَا يكون التفاتًا إذا دخل هُوَ في حيز الْقَوْل
المأمور به بلفظ (قل) ومن قال إنه التفات جعله داخلًا فيه؛ إذ كان المناسب لخطاب (قل) عند دخوله في
حيز الْقَوْل أن يجيء هذا بطَريق الخطاب لكن ترك مقتضى الظَّاهر والتفت من الخطاب إلَى الغيبة، ثم
التفت ثانيًا من الغيبة إلَى الخطاب في (عُلِّمْتُمْ) وما أحسن الالْتفَاتَين حيث أريد نسبة القبيح إليهم أعرض
عنهم حتى لا يواجهوا، وحيث نسب إليهم الحسن وهو علم ما لم يعلموا خاطبهم به.
قوله: وتضمين ذلك أي وعلى القراءتين جعل قوله: ( [تَجْعَلُونَهُ] قَرَاطِيسَ)
الخ. بعد تمام الْكَلَام المورد للإلزام مع أنه لا دخل له في الإلزام لتوبيخهم عَلَى سوء صنيعهم فهذا
من قبيل الإدماج الْمَذْكُور في علم البديع.