قوله: (تحقيرا لشأنهم) تعليل للمعلل ونصب الثاني لكونه فاعل الْفعْل المعلل
بخلاف الأول والتحقير بالنسبة إلَى الْأُلُوهيَّة، والأولى إطلاق الْكَلَام عَلَى هذا التحقير وهذا
بيان داعي الْمَجَاز والأول بيان العلاقة كما عرفته من أنهم كالجن في كونهم حادثين
مستورين عن الأعين، والْمُرَاد تحقير شأنهم من حيث عدم استحقاقهم الْعبَادَة لا من حيث
أنفسهم فإنهم عباد مكرمون.
قوله: (أو الشياطين) فإنهم مردة الجن وغلاتهم فهو كقَوْله تَعَالَى(بل كانوا يعبدون
الجن)أي الشَّيَاطين (لأنهم) حيث (أطاعوهم) في عبادة غير الله فهو اسْتعَارَة في
جعلهم شركاء وفي الأول الاسْتعَارَة في إطلاق الجن عَلَى الْمَلَائكَة. وقيل كانوا يتمثلون لهم
ويخيلون إليهم أنهم الْمَلَائكَة فيعبدونهم كذا قاله في سورة الفرقان فـ [حِينَئِذٍ] لا اسْتعَارَة أصلًا.
قوله: (كما يطاع اللَّه تَعَالَى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم) فـ [حِينَئِذٍ] يكون مَجَازًا
عقليًا أي جعلهم الشَّيَاطين شركاء مجاز عقلي بتسويلهم فيكون إيقاع جعل الشركاء عَلَى
[الشياطين] مجاز.
قوله: (أو قَالُوا الله خالق الخير وكل نافع) عطف عَلَى عبدوا أو عَلَى أطاعوهم.
قوله: (والشَّيْطَان خالق الشر) أي إبليس وأتباعه فلذا جمع الشركاء فإبليس وأتباعه
كأنهم معبودون مع أنه الْمُرَاد، فإبليس مع عسكره جعلوا برمتهم شركاء كما نقل عن الإمام
فيكون التشريك في الخالقية، ولما جعلوا إبليس خالق الشر يلزمهم.
قوله: (وكل ضار كما هُوَ رأي الثنوية) وقد مَرَّ من المص في أوائل السُّورَة [الثنوية]
زعموا أن النور والظلمة يقومان بأنفسهما. وأَشَارَ إلَى أنهم قَالُوا خالق الخير النور وخالق
الشر هُوَ الظلمة، وقد صرح في شرح المواقف أَيْضًا وبين الْكَلَامين نوع منافرة فلا تغفل.
قوله: (ومَفْعُولا جعلوا) أي جعل هنا بمعنى صير بالاعتقاد فيقتضي المَفْعُولَيْن
فمَفْعُولان (للَّه شركاء) قدم الثاني لمزيد الاهتمام؛ إذ القبيح جعلهم للَّه شركاء لا مُطْلَقًا؛ إذ
جعلهم لغيره تَعَالَى شركاء ليس بمذموم، ولذا قال في الكَشَّاف: فَائدَة التقديم استعظام أن
يتخذ للَّه ولدًا من كان ملكًا أو جنيًا أو إنسيًا. وأنه [محز] الإنكار، وكونه ظرفًا مستقرًّا يستحق
التقديم لأن تقديم المسند الظَّرْف عَلَى المسند إليه النكرة هُوَ الأصل فلا يحتاج إلَى النُّكْتَة
لا يضر المقصود لأن تقديم المسند عَلَى المسند إليه خلاف الظَّاهر فلا بد لتقديمه من نكتة
مقتضية له وهي هنا ما ذكرناه، وأما كون المسند إليه نكرة فلا تكون مقتضية بحَيْثُ يكون
الْكَلَام بها مطابقًا لمقتضى الحال، ولو سلم ذلك فلا منافاة بين التنكير واعتقاد التقديم لنكتة
أخرى كما قيل عَلَى أن الشيخ الرضي صرح بأن المسند إليه النكرة إذا أفاد فَائدَة لا يجب
تأخيره نحو كوكب انقض الساعة وما نحن فيه من قبيل ما يفيد الفَائدَة، وَأَيْضًا تقديم المسند
لتصحيح النكرة مبتدأ إذا لم تدخل عليه النواسخ، وأما إذا دخلت عليه فلا يجب التقديم
كجعل النكرة فاعلًا نحو قام رجل فلا يكون التقديم لتصحيح المبتدأ بل لما ذكر من أن
الْمَفْعُول الثاني [محز] الإنكار، وذهب بعضهم إلَى أن الجن مَفْعُوله الأول وشركاء مَفْعُوله