أن توبة اليأس مقبولة وإن لم يكن إيمانه مقبولًا فسخيف جدًا لأنه مخالف للحديث
الصحيح الْمَذْكُور الدال عَلَى إغلاق باب التَّوْبَة حين ظهورها مُطْلَقًا سواء كان توبة من
الكفر أو من المعاصي ما سوى الكفر، وأيضًا إنه يخالف قَوْلُه تَعَالَى:(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ
كُفَّارٌ)الآية. قال القاضي هناك من الفسقة والكفرة، ومراده عصاة الموحدين
والكفرة المجرمين، وقول الإمام البغوي في المعالم في قَوْله تَعَالَى: (إِنِّي تُبْتُ الْآنَ)
وهي حال السوق حين يساق روحه لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبته
صريح فيما ذكرناه وفي الكَشَّاف قَوْلُه تَعَالَى: (للَّذينَ يَعْمَلُونَ السيئات) فيه
وجهان: أحدهما أن لا يراد الْكُفَّار لظَاهر قَوْلُه تَعَالَى: (وهم كفار) وأن يراد
الفساق ولكون قوله (وهم كفار) [وارِادٌ] عَلَى سبيل التغليط انتهى. ملخصًا فردَّه المص بقوله من
الفسقة والكفرة للإشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بقوله: (للَّذينَ يَعْمَلُونَ السيئات) الفسقة
والكفرة جَميعًا لا الكفرة فقط ولا الفسقة فقط لأن قَوْلُه تَعَالَى: (وهم كفار)
حال من ضمير يموتون والزَّمَخْشَريّ جعله حالًا من الموصولين ولا يعرف وجهه، ولعل
صاحب الخلاصة وغيره اختاروا كون الْمُرَاد بالآية الْكُفَّار فقط. ولم يقل به أحد من الْمُفَسّرينَ
الثقات ؛ إذ الزَّمَخْشَريّ ذكر كون الْمُرَاد الْكُفَّار عَلَى كونه احتمالًا وكذا النيسابوري ذكر أولًا
كون الْمُرَاد به عامًا للفسقة والكفرة، ثم ذكر كون الْمُرَاد الْكُفَّار فالآية الكريمة لما دلت عَلَى
عدم قبوله توبة اليأس فَكَيْفَ يقال إن توبة اليأس مقبولة وصاحب الدرر قال: والمسطور في
الفناوى أن توبة اليأس مقبولة لأن الفاسق عارف بالله تَعَالَى وإيمان اليأس ليس بمقبول لأن
الكافر أجنبي غير عارف باللَّه تَعَالَى وحال البقاء أسهل من الابتداء، وهذا مخالف للحديث
الْمَذْكُور والنص الكريم كما عرفته كأنهم لم ينظروا إلَى بيان الْمُفَسّرينَ في تفسير الآية الكريمة
والْحَديث الشريف فتمسكوا بدليل عقلي ضعيف الدلالة عَلَى المطلب، ولعل منشأ ما ذكر في
الخلاصة وغيرها قول صاحب الكَشَّاف أحدهما: أن يراد الْكُفَّار لكنه ذكره عَلَى كونه احتمالا
فلا يكون منشأ لذلك، ولو سلم أن بعض الْمُفَسّرينَ اختار كون الْمُرَاد به الْكُفَّار فقط تكون
المسألة مختلف فيها فلا يحسن أن يذكرها عَلَى وجه الاتفاق هذا مع الإغماض عن الْحَديث
الشريف الْمَذْكُور فلا جرم أنه لا يعبأ أصلًا فتدبر. فإن العقل يتحير، ومن هذا البيان ظهر أن
العلامة التي (لا ينفع نفسًا إيمانها) الآية. حين ظهورها طلوع الشمس من
مغربها لا مُطْلَقًا ولا غيره من العلامات فما رواه المص فيما مَرَّ أشراط الساعة، وقد عرفت أن
الواو ليست للترتيب فمراده طلوع الشمس من مغربها من تلك العلامات الْمَذْكُورة سابقًا حيث
قال: وعن حذيفة الخ. فلم يقصد بهذه الرّوَايَة أنه حين ظهور هذه الآيات (لا ينفع نفسا