تموجات متعاقبة وإن أريد به قراءة جبرائيل عَلَى رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم كما
هو الظَّاهر فلا تفيد لأنه قيل القراءة كَذَلكَ. قال صاحب الكَشَّاف البزدوي إذا ذكر شيء
وتقضي فله جهتان جهة البعد فإن اللَّفْظ إذا زال تكلمه وسماعه صار في حكم الغائب
البعيد فيحسن أن يشار إليه بما يشار إلَى البعيد مَجَازًا وجهة القرب لكون الْمَعْنَى الْمَذْكُور
حاضرًا متقنًا متعينًا في الذهن فصار كالمحسوس القريب فيشار إليه بما يشار إلَى القريب
المحسوس المشاهد نحو هذا فلذلك تراهم يستعملون في مثل ذلك صيغة البعد تارة
والقرب أخرى وعلى هذا ورد قَوْلُه تَعَالَى: (كَذَلكَ يضرب الله الأمثال)
مشيرًا لذلك إلَى ضرب المثل الحاضر المتقدم ذكره وهو قَوْلُه تَعَالَى:(فأما الزبد فيذهب
جفاء)الآية. وقوله (إنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبينُ) مشيرًا به إلَى الأمر بذبح الولد
المتقدم ذكره الحاضر حضور المحسوس وهذا كثير جدا لا سيما في كلام الله تَعَالَى الأعلى
فلو قيل هنا هذا الْكتَاب لكان في غاية من البلاغة ولهذا قال جمع من الْمُفَسّرينَ وأئمة
المعربين معنى ذلك الْكتَاب ولعل مرادهم التَّنْبيه عَلَى ما ذكرناه من اسْتعْمَال اللَّفْظَيْن بالنظر
إلى الجهتين وإلا لفاتت النُّكْتَة المتحققة في اسْتعْمَال ذلك وهي التعظيم فلا إشكال بأن
ذلك موضوع للإشَارَة إلَى البعيد والمشار إليه هنا قريب فَكَيْفَ يشار بذلك إلَى ما ليس
ببعيد وينكشف من هذا البيان وجه صحة اسْتعْمَال اسم الإشَارَة الموضوع للإشَارَة إلَى
المشاهد المحسوس وجه الانكشاف أن ما هُوَ معقول نزل منزلة المبصر بأمر مصحح لذلك
فيشار إليه مَجَازًا واسْتعَارَة فذلك الأمر المصحح إن اقتضى بُعدًا فيشار باسم البعد وإن قربًا
فيستعمل صيغة القرب ولاشتهار ذلك لم يتعرض لبيانه الْمُصَنّف أو لانفهامه من كلامه
بالعناية لم يلتفت إليه وما قيل من أنه باعْتبَار التقضي أو باعْتبَار الوصول من المرسل إلَى
المرسل إليه في حكم المتباعد وإن كان مصححًا لإيراده لكنه بمعزل من ترجيحه عَلَى إيراد
ما وضع للإشَارَة إلَى القريب فمدفوع بأن الْمُصَنّف اكتفى بالسبب عن ذلك المسبب فإن
صجة البعد إذا استعملت في غير ما وضعت له يراد به التعظيم والتَّفْخيم في بابه والاكتفاء
بذكر العلة شائع ذائع وقد اعترف المعترض بذلك حيث قال وما فيه من معنى البعد مع
قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه وكونه في الغاية القاضية من الفضل والشرف إثر
تنويهه بذكر اسمه انتهى. فعدم التعرض لذكره لا يقتضي العدم بل ربما يعد من الفصاحة
لكون اللَّفْظ وجيزا. والْمَعْنَى جزيلا وبهذا تبين أن ما ذهب إليه صاحب المفتاح من أن ذلك
هنا لتعظيم الْكتَاب والإشَارَة إلَى بعد درجته في الهداية مآل ما اختاره صاحب الكَشَّاف
واختاره الْمُصَنّف من أن ذلك للبعد المجازي المشعر للتعظيم والتَّفْخيم(أو وصل من
المرسل إلَى المرسل إليه صار متباعدا أشير إليه بما يشار به إلَى البعيد).