لما عبر هنا بالْجُمْلَة الاسمية الدَّالَّة عَلَى الثبوت والدوام. قال المص تنبيه عَلَى أنهم الخ. وفي
وصف نفسه بالأمرين تقرير للرسالة والنبوة ومدح الْإنْسَان نفسه في مَوْضع الضرورة جائز
(وقرأ أبو عمرو وأبلغكم في الموضعين في هذه السُّورَة وفي الأحقاف مخففًا) .
قوله: (أي في مساكنهم) أرضهم وديارهم وأملاكهم بعد هلاكهم قال يَا قَوْم ليس بي
سفاهة الخ. لما أراد القوم بالسفاهة الضلالة تنزيلًا للسبب منزلة المسبب أجاب عَلَيْهِ السَّلَامُ
بذلك مرادًا به نفي الضلال ولذا قال: (ولكني رسول من رب الْعَالَمينَ)
بيان هذا الاستدراك مثل ما سبق بأن يقال إنه باعْتبَار ما يلزمه من كونه عَلَى كمال عقل
رشيد ورأي سديد مرادًا به لازمه وهو الهداية الكاملة لكن هذا إذا فسر الاستدراك بدفع
التوهم الناشئ من الْكَلَام السابق كما هُوَ الْمَشْهُور والتوهم نفي الرسالة عند نفي الضلالة
أَيْضًا لأنهم حين أثبتوا الضلالة أرادوا به تركه دين آبائه ودعوى الرسالة فهو حين نفى
الضلالة توهم منه كونه عَلَى دينهم وترك الرسالة فأخبر بأنه رسول الخ. هذا قَالُوا كأنهم
أرادوا به أن الاستدراك هنا عَلَى زعم المخاطبين لا في نفس الأمر لأن نفي الضلالة لا
يستلزم ترك الرسالة في الواقع بل يشعر ادعائه بقرينة ادعائها أولا وإن كان عامًا لترك
الدعوى وإجراء الْكَلَام عَلَى زعم المخاطب شائع في كلام البلغاء وفى كلام الله تَعَالَى فلا
إشكال بأن نفي السفاهة والضلالة ليس مما يقع فيه نفي كونه رسولًا وعلى صراط مستقيم
فإن هذا الإشكال بالنظر إلَى ما في نفس الأمر والذهول عن قولهم إنهم لما أثبتوا الضلالة
أرادوا به ترك دين آبائه ودعوى الرسالة وبهذا البيان ظهر حسن الاستدراك لكن أوله بما
يلزمه وهو الهداية لأن نفي أحد المتقابلين قد يسبق الوهم إلَى انتفاء المقابل الآخر ولو كان
يزعم المخاطب ولذا قيل: زيد ليس بقائم لكنه قاعد، وإن فسر الاستدراك بكونه متوسطًا بين
كلامين متغايرين نفيًا وإثباتًا فلا حاجة إلَى التأويل
قوله: (أو في الْأَرْض) شامل لمساكنهم وغيرها فالفرق بين المَعْنَيَيْن واضح.
قوله:(بأن جعلكم ملوكًا فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الْأَرْض من رمل عالج
إلى شجر عمان)فحِينَئِذٍ يكون تسمية الكل بالخلفاء من قبيل تسمية الكل بأحوال البعض
فالأول هُوَ المعول.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والأمن مستقرًا فيهما وليس فيه ما يدل عَلَى أنه سيعود إليهم حالًا فحالًا ويومًا فيومًا.
قوله: أو في الْأَرْض بأن جعلكم ملوكًا، فعلى هذا يكون خلفاء جمع الخَليفَة بمعنى السلطان
والأمير بخلاف الوجه عَلَى الأول فإن الخلفاء عَلَى الأول من الخلف فإنهم في مساكنهم يخلفون
فيها من سبقهم فيها.