قوله: (أو لا تبالوا لإنكارهم ما سمى به نفسه) هذا حاصل الْمَعْنَى؛ إذ الْمَعْنَى الحاصل
حِينَئِذٍ وذروا إلحاد الَّذينَ يلحدون في أسمائه بإنكار بعض الأسماء الذي سمى اللَّه تَعَالَى
نفسه وذاته فالمضاف مَحْذُوف أَيْضًا.
قوله: (كقولهم ما يعرف إلا رحمن اليمامة) أي العرب لما سموا مسيلمة رحمن
اليمامة أنكروه تعنتًا في كفرهم، فالْمُرَاد بالترك الاجتناب كما في الوجه الأول لكن الْمُرَاد
بالأسماء عَلَى هذا الاحتمال أسماؤه تَعَالَى حَقيقَة فإضَافَتها إليه تَعَالَى حقيقية بخلاف الوجه
الأول كما مَرَّ تحقيقه.
قوله: (أو وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها عَلَى الأصنام) الواو في وإلحادهم بمعنى
مع لكن الْمُرَاد ترك إلحادهم وترك الذات ليس بمراد وهذه الآية عَلَى هذا الوجه ليست
بمنسوخة بآية القتال كما ظن؛ إذ الْمَعْنَى أعرضْ عنهم ولا تبال بإلحادهم لا الكف عنهم
وعدم التعرض لهم. وبالْجُمْلَة الآية ليست بمنسوخة في كل احتمال كما هُوَ الظَّاهر والفرق
بين هذا الوجه والوجه الثاني هُوَ أن الإلحاد في هذا باعْتبَار إطلاق الأسماء عَلَى غيره تَعَالَى
كما سموا الأصنام آلهة والآلهة وإن أطلقت عَلَى المعبود مُطْلَقًا لكن اللائق أن يطلق الإله
عليه تَعَالَى، وبهذا الاعتبار يتحقق الإلحاد في الأسماء، وإنما لم يقل الْمُصَنّف كتسميتهم
الأصنام آلهة لظهوره، وصرح به صاحب الكَشَّاف لقصد التوضيح، وأما الإلحاد في الوجه
الثاني فباعْتبَار إنكارهم بعض أسمائه تَعَالَى لا باعْتبَار إطلاقه عَلَى غيره تَعَالَى، وعلى هذا
الفرق بينه المص بقوله: ولا تبالوا بإنكارهم مع تحقق الإطلاق عَلَى غيره تَعَالَى.
قوله: (واشتقاق أسمائها منها) طريق آخر بإطلاق أسمائها عَلَى غيره ولذا اخْتيرَ الواو.
قوله: (كاللات من «الله» ) أي من لفظة الله بتغيير الهاء إلَى التاء هي صنم لثقيف في
الطائف أو لقريش بنخلة وهي فعلة من لوى لأنهم يلوون عليها أي يطوفون كذا قاله
الْمُصَنّف في سورة والنجم. والظَّاهر أن بينَ كَلَامَيهما تنافرًا.
قوله: (والعزى من «العزيز» ) سمرة لغطفان وأصلها تأنيث الأعز هذا قاله أَيْضًا في تلك
السُّورَة وبَيْنَهُمَا تخالف أَيْضًا، والإلحاد في الأسماء باعْتبَارهم الاشْتقَاق واعتبار معاني
الأسماء فلا يرد أن الإلحاد في المُشْتَق لا في المُشْتَق منه انتهى. مع أن في كلامه نوع حزازة
إذ لا إلحاد في المُشْتَق لو لم يعتبر معاني الأسماء.
قوله: (ولا توافقوهم عليه) هذا معنى الترك حِينَئِذٍ إذ معنى الاجتناب عن هذا لا
يصح هنا لعدم التوقع من الْمُؤْمنينَ.
قوله: (وأعرضوا عنهم فإن الله مجازيهم كما قال:(سَيُجْزَوْنَ) الآية)
وأعرضوا هكذا بالواو في النسخ فهو من تتمة ما قبله وهذا هُوَ الظَّاهر وفي بعض النسخ بلفظة
أو فحِينَئِذٍ يكون وجهًا آخر لكن لا يظهر له لطف؛ إذ لا يعرف حِينَئِذٍ إلحاد غير ما ذكر؛ إذ حاصل
هذا الوجه الأخير وعيد كقَوْله تَعَالَى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا) الآية. فمآل هذا ذلك(وقرأ
حمزة هنا وفي «فصلت» يُلْحِدُونَ بالفتح يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد).