قوله: (قال لهم إن قصارى أمرهم) بضم القاف أي غايته.
قوله: (أن يكُونُوا أحياء عقلاء أمثالكم) فحِينَئِذٍ يكون وجه اللَّه الحياة والعقل لكن
في المشبه مفروض وفي المشبه به محقق لكن لا ضير فيه.
قوله: (فلا يستحقون عبادتكم كما لا يستحق بعضكم عبادة بعض ثم عاد عليه
بالنقض فقال: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) الآية) ظاهره قياس فقهي لكن في الْحَقيقَة
تنبيه بالأعلى عَلَى الأدنى أي أنكم أيها المشركون مع حياتكم وعقلكم تعترفون أن بعضكم
لا يستحق عبادة بعضكم فعدم استحقاق ما لا حياة له ولا عقل له أولى وأحرى ففيه تسفيه
رأيهم وسخافة عقلهم جدًا، وإلى هذا الْمَعْنَى أشار بقوله ثم عاد عليه بالنقض بالضاد
الْمُعْجَمَة الْمُرَاد به النقض اللغوي ثم عاد عليه أي عَلَى التمثيل بالإبطال وتوضيحه أنه تَعَالَى
لما مثل تلك الأصنام بالْمُشْركينَ في كونها مملوكة له تَعَالَى أشار في هذه الآية إلَى نفي
المماثلة وهذا مراد الْمُصَنّف بقوله ثم عاد عليه بالنقض لكن الأحسن في التَّعْبير أن يقال ثم
أَشَارَ إلَى نفي المماثلة؛ إذ وجه الشبه لا بد وأن يكون الأمر الذي له زيادة اخْتصَاص بالطرفين
وقصد بيان اشتراكهما فيه فأشار سبحانه وتَعَالَى إلَى نفي ذلك الأمر في الأصنام وهو الآلات
التي يتحقق بها الإعانة والاستجابة مع ثبوت ذلك الأمر في الْمُشْركينَ فهذه توبيخ إثر توبيخ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قصارى أمرهم أن يكُونُوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاعل بينكم ثم أبطل أن
يكُونُوا أمثالهم فقال لهم: (أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) الآية. وقد تمسك بعض جهال
المشبهة بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء للَّه سبحانه فقَالُوا [إنه] جعل عدم هذه الأعضاء لهذه
الأصنام دليلًا عَلَى عدم إلهيتها فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة للَّه تعالى لكان عدمها دليلًا عَلَى
عدم الإلهية وذلك باطل فوجب الْقَوْل بإثبات هذه الأعضاء للَّه تَعَالَى والْجَوَاب ما أشار إليه المص
بقوله ثم عاد عليه بالنقص فقال (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ) الآية. وصاحب الكَشَّاف بقوله
ثم أبطل أن يكُونُوا عبادًا أمثالهم فقال (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) . وحاصل الْجَوَاب أن المقصود من
الآية. إبطال أن يكون الأصنام عبادًا أمثال النَّاس لأن الْإنْسَان له رِجل ماشية ويد باطشة وعين ناظرة
وأذن سامعة وليس لشيء من الأصنام شيء من هذه الأعضاء فاسْتعْمَال الأفضل الأكمل بعبادة الأدون
الأخس جهل. قال الإمام في الْجَوَاب الآخر للمجسمة إن المقصود من ذكر هذا الْكَلَام وهو قوله
عز وجل: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) الآية. تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه
الآية. وهي قوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) يعني كَيْفَ
يحسن عبادة من لا يقدر عَلَى النفع والضر ثم قرر تَعَالَى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها
أرجل ماشية وأيد باسطة وأعين ناظرة وآذان سامعة ومتى كان الأمر كَذَلكَ لم تكن قادرة عَلَى النفع
والضر فامتنع كونها آلهة أما إله العالم تَعَالَى وتقدس فهو وإن كان متعاليًا عن هذه الجوارح
والأعضاء إلا أنه مَوْصُوف بكمال القدرة عَلَى المنع والضر وهو موصوف لكمال السمع والبصر
فظهر الفرق بين البابين. قوله عَلَى أنها نافية عملت عمل ما الحجازية، فالْمَعْنَى ما الَّذينَ يدعون من
دون الله عبادًا أمثالكم لأنها جمادات وأنتم عقلاء فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ ما هُوَ دونكم وأعمال إن النافية
مذهب المبرد وسيبويه لا يجوز إعمالها وإنما نسب ما الحجازية.