السبب الغائي وأريد المسبب، كَمَا صَرَّحَ به صاحب التوضيح في قَوْله تَعَالَى:(وَيُنَزِّلُ لَكُمْ
مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا)حيث قال لأن الرزق سبب غائي للمطر غايته أنه يحتمل
العكس؛ إذ الأخذ سبب للأكل فذكر المسبب وأريد السبب لكن كلام الْمُصَنّف يلائم الأول.
قوله: (دينه) أي سبيل اللَّه مُسْتَعَار لدينه (ويصدون) متعد هنا كما هُوَ الظَّاهر أي
يمنعون النَّاس عن دينه تَعَالَى؛ إذ فيه إشَارَة إلَى فرط شغفهم إلَى حب الجاه كما أن قوله
تَعَالَى: (لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ) إشَارَة إلَى كمال حرصهم عَلَى المال
فيمنعون الخلق عن متابعة الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ للخوف عن انحطاط رتبتهم وانعزالهم عن
مناصبهم، وبهذا البيان ظهر أن الجامع بين المتعاطفين خيالي. وقيل إنه لازم. والْمَعْنَى أنهم
يصدون عنه يأكلهم الأموال بالباطل انتهى. فالجامع حِينَئِذٍ عقلي والأول أولى لإفادته كونهم
مشغوفين بحسب المال والجاه كما أشير إليه في التَّفْسير الكبير.
قوله: (يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار) أي تعريف الموصول للعهد والمعهود
الأحبار والرهبان فحِينَئِذٍ العدول من الظَّاهر وهو أن يقال ويكنزون الذهب لا بد من نكتة
وهي بيان دوام ذلك الوصف وثبوته بإيراد الْجُمْلَة الاسمية والتَّعْبير بالموصول للإشَارَة إلَى
علة الحكم أو للإيماء إلَى وجه بناء الخبر والظَّاهر أنه مَعْطُوف عَلَى يصدون أو ليأكلون
والْمَعْنَى يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان الَّذينَ يكنزون الذهب وعطفه عَلَى
(كثيرًا) يأبى عنه قوله الكثير في قوله يجوز أن يراد به الكثير، وتناسب الجملتين من محسنات
الوصل لا من صحته.
قوله: (فيكون مُبَالَغَة الخ) وجه المُبَالَغَة إما للتعبير عن المنع بالكنز الذي أصل معناه
الدفن في الْأَرْض أو بانضمام هذه الخصلة الذميمة إلَى ما سبق من الخصلة القبيحة وهي أخذ
أموال النَّاس بالأباطيل فحِينَئِذٍ معنى قَوْلُه تَعَالَى: (ولا ينفقونها في سبيل اللَّه) .
ولا يعطونها في سبيل الخير؛ إذ الإعراض عن الشبهات والشهوات ونحو البخل ممدوح وخلافه
مذموم، وإن كان في كاف كما أشير إليه في قَوْله تَعَالَى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً) .
إلَى قَوْله: (وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) وقد أوضحه الْمُصَنّف هناك.
قوله: (وأن يراد الْمُسْلمُونَ الَّذينَ) كما هُوَ الأوفق لقَوْله تَعَالَى:(ولا ينفقونها في
سبيل الله)فحِينَئِذٍ والَّذينَ عطف عَلَى قوله كثيرا وخبر إن حِينَئِذٍ (فبشرهم)
وقيل إنه حِينَئِذٍ جملة مُسْتَأْنَفَة وإيراد الموصول هنا لما ذكرنا.
قوله: (يجمعون المال) أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالكنز جمع المال مع الإمساك عن أداء
حقه سواء دفن أو لا.
قوله: (المال) أي الْمُرَاد بالذهب والفضة مطلق المال وسيجيء وجه التَّخْصِيص.
قوله: (ويقتنونه) افتعال من القنية يقال قنوت الغنم وغيرها قِنوة بكسر القاف وسكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فقال. أي فقال رسول الله إنَّ اللَّهَ لم يفرض الزكاة الخ.