قوله: (وعلمه تَعَالَى) عطف عَلَى خذلان أو عَلَى الفساد أي لتعلق علمه تَعَالَى تعلقًا
أزليًا (بأنهم يموتون عَلَى كفرهم) أي عَلَى الكفر فيكون إيمانهم ممتنعًا بالغير ولا ينافي
التكليف ولا يكون من قبيل تكليف ما لا يطاق، كما فصل في التوضيح حيث قال في فصل
تكليف ما لا يطاق: فيجب بأن الله تَعَالَى علم كل شيء عَلَى ما هُوَ عليه والعلم تابع للمعلوم
فعلمه تَعَالَى بأنه لا يؤمن باختياره لا يخرجه عن حيز الإمكان أي عن أن يكون مقدورًا له
ومختارًا له انتهى. ومعنى كون العلم تابعًا للمعلوم أن علمه تَعَالَى في الأزل بالمعلوم
المعين الحادث تابع لماهيته بمعنى أن خصوصية العلم وامتيازه عن سائر العلوم إنما هُوَ
باعْتبَار أنه تَعَالَى علمه بهذه الماهية، وأما وجود الماهية وفعليتها فتابع لعلمه الأزلي التابع
لماهيته بمعنى أنه تَعَالَى لما علمها في الأزل عَلَى هذه الخصوصية لزم أن يتحقق ويوجد
فيما لا يزال عَلَى هذه الخصوصية فنفس موتهم عَلَى الكفر وعدم إيمانهم متبوع لعلمه
الأزلي ووقوعه تابع له. فخذ هذا التحقيق ينفعك في مواضع شتى. وهذا مما لا شبهة فيه
وهو مذهب أهل السنة وقد صرح به النحرير في أول سورة الأنعام حيث قال: علم الله تَعَالَى
بأنهم يتركون الإيمان ويؤثرون الكفر صار سببًا لامتناعهم عن الإيمان باختيارهم عند
المعتزلة، وأما عند أهل السنة فقد معناه ذلك سببًا لعدم إيمانهم بحَيْثُ لا سبيل لهم إليه أصلًا.
كذا نقله بعض المحشيين عن بعض فضلاء دهره، وقول المحقق صدر الشريعة أن الله تَعَالَى
علم كل شيء عَلَى ما هُوَ عليه إشَارَة إلَى معنى كون العلم تابعًا للمعلوم كونه تابعًا للماهية
بالوجه الذي قرره بعض الأفاضل. ويَنْبَغي للعاقل فضلًا عن الفاضل أن لا يذهل عن إشارات
الفضلاء وفحول العلماء. وقد غفل عن ذلك كثير ممن عد من العظماء .
قوله: (واللام لتأاكيد النفي) أي اللام زائدة و (يؤمنوا) خبر (كانوا) وهذا مذهب البصريين .
قوله: (مثل ذلك الْجَزَاء) أي ذلك إشَارَة إلَى مصدر نجزي الآتي فيكون مَفْعُولًا
مُطْلَقًا له قدم عليه للاهتمام ولا بعد في القصر وإيثار ذلك المفيد للبعد للتفخيم والكل
زائدة للدلالة عَلَى زيادة تعظيم المشار إليه ولا يبعد أن لا [تكون] مقحمة بل جيء بها للكناية
كما حقق العلامة التفتازاني في شرح التلخيص أن الكاف في قَوْله تَعَالَى:(ليس كمثله
شيء)ليست بزائدة بل لإفادة المُبَالَغَة لأجل الكناية .
قوله: (وهو إهلاكهم بسَبَب تَكْذيبهم) هذا يؤيد ما قلنا من أن قوله فيما سبق حين
ظلموا ليس بناء عَلَى أن لما لمجرد الظرفية عاريًا عن معنى السببية ؛ إذ هذا الْقَوْل صريح في
حملها عَلَى السببية وقد أشرنا إليه هناك (للرسل) .
قوله: (وإصرارهم عليه) منفهم من قوله (وما كانوا ليؤمنوا) (بحَيْثُ
تحقق أنه لا فَائدَة في إمهالهم).
قوله: (نجزي كل مجرم) فاللام للاسْتغْرَاق فيدخل فيه كفار مكة دخولًا أوليًّا .
قوله: (أو نجزيكم) فاللام في المجرمين للعهد والمعهودون أهل مكة(فوضع المظهر
مَوْضع الضَّمير للدلالة عَلَى كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه).