الْكتَاب علم أن هذا الْقُرْآن نازل منْ عنْد اللَّه وليس من مخترعات البشر لا سيما أنه ظهر في
يد من لم يمارس شَيْئًا من العلوم ولم يشاهد عالمًا ولم ينشئ قريضًا ولا خطبة.
قوله: (ولا يكون كذبًا) هذا تمهيد لقوله كَيْفَ وهو لكونه أي هذا من قبيل إعادة
المدعي لإقامة دليل آخر عليه بالطريق الأولى.
قوله: (لكونه معجزًا) في الطبقة العليا من البَلَاغَة والفصاحة.
قوله: (دونها) أي دون الكتب المتقدمة فإنها غير معجزة (عيار عليها) أي شاهد
مظهر لصحتها فلذا سمي نورًا لكونه ظاهرًا بنفسه غير مستمد عن غيره لإعجازه، ومع ذلك
مظهرًا لغيره من الكتب الْإلَهيَّة مثبتا إياها كما هُوَ شأن النور الحقيقي فحِينَئِذٍ يلزم صدقه عند
غير أهل الْكتَاب أَيْضًا، فيثبت كون كلام اللَّه تَعَالَى عند كل أحد، ولعل التعرض لإعجازه هنا
مع أنه لا إشَارَة إليه في هذه الآية لما ذكرناه من إثباته عند كل أحد.
قوله: (من أهل الْكتَاب) وغيره من الْمُشْركينَ وهم إن اعترفوا فيها وإلا فلا عبرة بهم
وبإنكارهم تعنتًا أو تعصبًا.
قوله: (شاهد عَلَى صحتها) فهو بالصحة أولى وأحرى، وبذلك ثبت المدعي من كون
الْقُرْآن وحيًا منزلًا من عند اللَّه تَعَالَى.
قوله: (ونصبه بأنه خبر لكان مقدر) بدلالة ما قبله من قوله: (وما كان) .
الآية. (أو علة لفعل مَحْذُوف) أي من جملة العلل لفعل مَحْذُوف فإن علة الْإنْزَال غير
منحصرة له بل للإنزال علل ومصالح لا تحصى كبيان الشرائع والعقائد الحقة وإثبات نبوة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فلا يكون كذبًا. الفاء فيه جواب ذهب شرط مَحْذُوف أي إذا كان كَذَلكَ لا يكون الْقُرْآن
مفترَى وجدت فيما نظرت إليه من النسخ مطابق بالرفع وكذا ولا يكون بالواو فالوجه مطابقًا
بالنصب لأنه تفسير للمنصوب وكذا لا معنى للوار في ولا يكون فإنه مَوْضع الفاء.
قوله: كَيْفَ وهو لكونه معجزًا دونها عيار عليها. أي كَيْفَ يكون كذبًا وهو لكونه معجزًا
ببلاغته عيار عَلَى تلك الكتب المتقدمة العيار والمعيار الذي يقاس به غيره ويسوي كذا في المغرب
فالعيار شيء يعرف به قدر الشيء في أي معنى كان من الوزن أو الكل أو من الجودة والرداءة أو
غيرها، فالعبار هُوَ الأصل في معرفة الشيء بالْقيَاس إلَى غيره فالْقُرْآن عيار عَلَى تلك الكتب المتقدمة
لثبوت حقيته بإعجازه دونها فهو ثابت لإعجازه ومثبت لما تقدمه لتصديقه إياها ومطابقته لها فإن ما
ثبت بما ثبت بالدليل يكون حقًا لا محالة. والحاصل أن ثبوت صحة الكتب المتقدمة به إنما هُوَ
لكونه حقًا ثابتًا بالدليل الذي هو إعجازه وما كان حقًا ثالثًا بالدليل لا يكون مفترى وهو المطلوب.
قوله: ونصبه بأنه خبر لكان مقدر. أقول: لا حاجة في نفسه إلَى تقدير كان فإن نصبه بالعطف
على خبر كان الْمَذْكُور فكأنه قيل: وما كان هذا الْقُرْآن افتراء ولكن تصديقًا للذي بين يديه، كما في
قول القائل: ما كان زيد قائما ولكن قاعدًا. فلعله نظر إلَى أن الواو لعطف الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة وكذا
حق الظَّاهر أن يقال: ونصبه بأنه خبر لكان المقدر بتعريف لفظ المقدر لأنه صفة لكان الْمَذْكُور وهو
معرفة فإن خصوصيات الألفاظ معارف.