قوله: (وقيل معناه لكل يَوْم الْقيَامَة رسول) أي الْمُرَاد بيان أحوال الْقيَامَة لا بيان
أحوال الدُّنْيَا كما في الاحتمال الأول لكن السباق والسياق يناسبهما الْمَعْنَى الأول، أَلَا [تَرَى]
قوله: (ويَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) وقوله قيل لا أملك ما إلَى بعده فإنه
كالنص في الاحتمال الأول وعن هذا مرضه وزيفه. ووجه صحة هذا الاحتمال مع ضعفه هُوَ
أنه من قبيل توسيط بيان أحوال الْآخرَة بين بيان أحوال الدُّنْيَا تهديدًا وتهويلًا لأمر الْآخرَة .
قوله: (تنسب إليهم) أراد به بيان وجه إضافة الرَّسُول مع أن يَوْم الْقيَامَة لا تكليف فيه
والْمَعْنَى لكل أمة سواء كانت أمة إجابة أو دعوة رسول أي نبي تنسب إليه بأنه بعث إليهم
في الدُّنْيَا خاصة للدعوة إلَى التوحيد وإلى الحق والأحكام .
قوله: (فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم) فيه تَغْليب ؛ إذ الشَّهَادَة بالإيمان شهادة
لهم لا عليهم لكن الشَّهَادَة عَلَى الكفر لما كانت غالبة كثيرة غلب المشهود عليهم عَلَى
المشهود لهم أو لما كان الرَّسُول كالرقيب المهيمن عَلَى أمته عُدي بـ على كما أفاده الْمُصَنّف
في قَوْله تَعَالَى (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) وهذا الوجه لا يلائم ما
أسلفه في تفسير قوله: ( [لِتَكُونُوا] شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) إذ صرح هناك
بالرّوَايَة أن الشهداء عَلَى الأمم الْمَاضية أمة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَامُ. نعم يوافق قَوْلُه تَعَالَى:
(وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ) بحسب الظَّاهر وقد فسر هناك الشهداء بكونهم
من الْمَلَائكَة والْمُؤْمنينَ فلا يوافقه أَيْضًا، والْقَوْل بأن الْمُرَاد هنا الشهادة مُطْلَقًا سواء كانت
للْمُؤْمنينَ أو عَلَى الكافرين لا [يقيد] بالكفر والإيمان .
قوله: (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) ولا خفاء في ترتب الْجَزَاء عَلَى مجيء الرَّسُول بخلاف الأول
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أراد الله تَعَالَى أن يبين أن ذلك التعذيب لهم عدل منه تَعَالَى لا ظلم، فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى يعاقب من لم
يقبل دعوة الرسل من أمتهم عَلَى وجه العدل. فالآية واردة في معرض التعليل للحكم السابق .
قوله: وأهلك المعذبون كقَوْله تَعَالَى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رَسُولًا) .
قوله: وقيل معناه ، والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول أن الوجه الأول في عقوبتهم عَلَى
تَكْذيبهم في الدُّنْيَا والثاني في عقوبتهم في الْآخرَة .
قوله: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) استشهاد بالآية الأخرى عَلَى الوجه
الثاني فهي دليل الوجه الثاني [ودليل] الأول قوله بعد: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
عَلَى ما قال الإمام إن قوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) كالدليل عَلَى أن
الْمُرَاد بما تقدم من قوله: (قضي بينهم بالقسط) القضاء بذلك في الدُّنْيَا لأنه لا يجوز أن
يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في الدار الْآخرَة لأن الحال في الْآخرَة حال يقين ومعرفة بحصول
كل وعدٌ ووعيدٌ. وقال الإمام: إن الرَّسُول عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم
يظهر ذلك العذاب قَالُوا له متى هذا الوعد؟ واحتجوا بعدم ظهوره عَلَى القدح في نبوته .
قوله: أن أملكه. هذا عَلَى أن يكون الاستثناء متصلًا. وقوله أو ولكن ما شاء الله من ذلك واقع
على أن يكون منقطعًا .